زايد..ناقص
كانت فيروز إلى جانبي، على فراش سرير فردي، في غرفة صغيرة، في شقة قديمة، في صباح طرابلسي شتائي بارد، تروي بصوت مخملي، قصة ما كان يحدث لركاب حافلة بركاب عائدين من ضيعة اسمها “حملايا” قاصدين ضيعتهم المسماة “تنّورين”. وكنتُ أنا ممدداً إلى جانبها، أدخن سيجارة وأحتسي رشفات من فنجان قهوتي، ومنشطراً إلى نصفين.
نصفٌ أول يحرص بشغف على متابعتها وهي تتوغل في تفاصيل ما يجري من أحداث في تلك الحافلة التي يسمونها في لبنان “بُوسطه”؛ ممتدحةً بنتاً اسمها “علياء” لا يعرفها ركاب البوسطه، وتميّزت بعينين حلوتين. وتتابع قصة راكب آخر مرفوقاً بزوجة وصفتها بأنها شديدة القبح، مروراً براكبين قرويين آخرين: واحد يأكل خساً، والثاني يأكل تينًا. وكلهم في طريقهم إلى ضيعتهم: “تنّورين”، وجميعهم لا يعرفون شيئاً عن جمال عينيّ “علياء” الحلوتين؛ ورغم أن البنت علياء ليست ضمن الركاب، إلا أنها في المركز من الحدث. وتلك مفارقة شعرية بارعة منحتْ الأغنية مِلْحَها.
أما النصف الثاني منّي، فقد تركني وفيروز، وانجذبُ لا شعورياً إلى متابعة غيم ثقيل خيّم على سماء طرابلس صباحاً، وخنق دفء صحو سمائها. كنتُ أراه يقابلني من خلف زجاج نافذة بحرية، وفي داخلي كنت أسمع هدير (بُوسطه) من نوع آخر؛ تنقل ركاباً ومدناً وأحداثاً، وغابت عنها عينا علياء الحلوتان. كانت الصور تتابع أمام عينيَّ مثل شريط سينمائي.
حين طوتْ فيروز آخر سطر من حكايتها، وتوقف هدير بُوسطتها، التحفتْ هي بالصمت، بينما ظل الهدير صاخباً في رأسي.. فيروز، إلى جانبي، كانت لا تعرف أنني بدأت حينها أطارد عيون “عَليات” آخريات، ضاعن مني في أزقة طرابلس، وفي شوارع وميادين مدن أخرى عديدة. ولم يكن ممكناً مشاركتها هدير بُوسطتي الهادر في رأسي وقلبي. لذا تجاهلتُها عمداً، وواصلتُ رحلتي في “بُوسطه” لا تعرف ” تنّورين” ولا تقصدها. (بُوسطتي) كنتُ راكبها الوحيد، مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات والجهات.
جمعة بوكليب
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية