منصة الصباح
جمعة بوكليب

“بضاعة أتلفها الهوى”

جمعة بوكليب

زايد ..ناقص

كان المرحوم الروائي نجيب محفوظ لا يكتفي بكتابة ونشر روايات محكمة التفاصيل، جميلة الحبكة، تشدُّ اهتمام القاريء، بل كان يحرص على كتابتها بلغة سردية ساحرة ممتدة بين الفصيحة والدارجة. اخترت عمدًا الإشارة إلى المرحوم نجيب محفوظ لأن أغلبنا قرأ رواياته أو بعضها على الأقل.

خلال الشهور الماضية قرأت رواية لروائي ليبي شاب، شعرتُ منذ الفصلين الأولين منها وكأنني أقرأ رواية مترجمة، أو كتبها ذكاء اصطناعي. لغة السرد كلماتٌ في جُملٌ صُفّتْ متتالية في سطور تذكر بأحجار باردة متجاورة في رصيف، وليس من فكر ووجدان وعواطف ومشاعر وانفعالات. رميت بها جانبًا ومتسائلاً : كيف يمكن لرواية عربية أن تكتب بلغة سردية لا تنتمي إلى نسيج اللغة التي تزعم الانتساب إليها؟

لن أتورط بالتأكيد في ذكر اسم مؤلفها تفاديًا للخوض في زوابع وأعاصير لا أحتاجها.

تفسيرات كثيرة من الممكن اللجوء إليها والاتكاء عليها. أبرزها، في رأيي، أن مؤلف الرواية المذكورة لجأ إلى الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو أنّه انغمس في قراءة روايات أجنبية بلغاتها الأصلية، أو مترجمة إلى اللغة العربية ترجمة حرفية ركيكة، متجاهلاً الاطلاع على منظومة الرواية العربية، وهو الأرجح. الأمر الذي ذكرني بما قاله “سي السيد” أو أحمد عبد الجواد، في رواية “قصر الشوق” للرائع نجيب محفوظ، حين سأله صبيُّه في محل البقالة، تحت أي بند يقيّد البضاعة التي استلمتها المعلمة عشيقته وغادرت المحل من دون دفع ثمن. فرد عليه قائلاً :”أكتب: بضاعة أتلفها الهوى.” وأنا بدوري أقول إن تلك الرواية بضاعة أتلفها هوى الغش أو التقليد، وأفسدها الشغف باستنساخ السرد الأجنبي فجاءت في شكل مسخ لغوي يفتقر إلى نسب الأصالة وبلا روح.

الغريب أن الرواية حظيت باهتمام من كثيرين، مما يعني أن تقييمي لها قد يكون مجانبًا للصواب، أو ربما أن غيري فاتهم أن يلاحظوا ما لاحظته.

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

في طريقي خُزامى

زايد..ناقص كل يوم، في غُدوّي ورواحي، في صحوي أو منامي، في لحظات فرحي العابرة القليلة، …