ألرئيسيةالثقافيةحوارات

«هَزِيعُ الليل ».. حكاية يرصدها أحمد السيفاو بألوانه

السيفاو : لا أتمنى أن تكون هناك وزارة للثقافة أو للإعلام

تنويه: قبل أيام فقط غادرنا عازف الظل والضوء ..صاحب العين الأكثر إلتقاطا للتفاصيل.. فنان الفوتغراف والمصور الصحفي أحمد السيفاو ..بعد رحلة عطاء امتدت على مدى عقود عمل خلالها في أكثر من مطبوعة وطنية وشارك في اكثر من معرض للصور.. كان السيفاو أحد القلائل الذين عشقوا كاميرا التصوير وتعاملوا معها كامتداد طبيعي للمخيال البصري.. الزميلة سمر الزريعي كانت قد أجرت معه هذا اللقاء منذ مدة وبالصدفة المحضة تأخرت عن تقديمه للنشر ..لنقدمه في هذا العدد كتحية وداع لإسم الراحل الكبير..

حاورته: سمر الزريعي

هو من يبدد القلق في أغوار لونه دون رقابة، فهل سنغفر لألوانه بعثرة أنفاسنا؟! معه لا نحتفظ بالألوان الأساسية في ذاكراتنا ولا نبحث عن نسلها وحسبها.. فنجبر ظلنا على المكوث حتى نعيد توازن رؤوسنا وأنفاسنا بعيدا عن هزيع الليل،،

أحمد السيفاو التشكيلي والمصور الفوتوغرافي والسينمائي وصاحب الامتياز لصحيفة «لالوت»، التي ترصد الصور وحكايتها، قصدنا معرضه «هَزِيعُ الليل»، في بيت نويجي للثقافة في المدينة القديمة الأسبوع الماضي لنسجل معه هذا الحوار .

– كيف يمكن أن يتكلم أحمد السيفاو عن الفنان التشكيلي والمصور بداخله، وكيف يربط بين هاتين الشخصيتين؟

– فاجأنا سيفاو بالقول: أنا لا أعتبر نفسي مصنفا ضمن هذين الاثنين، فلست تشكيليا أو فوتوغرافيا، فالحالة الإبداعية هي سيدة الموقف وهي من تستحضر كيف يجب أن تأتي لدي ، فالعمل المبدع قد يكون قصة .نحت.. لوحة .. صورة .. فهي حالة خارج التصنيف بالنسبة لي.

– «هَزِيعُ الليل »، المعرض التشكيلي الرابع لديك، مقارنة بمعارضك في التصوير التي فاقت هذا العدد بكثير، ما السبب في ذلك؟

فعلا كانت هناك فترات متفاوتة وبعيدة بين معارضي، فأول معرض كان عام 1972 في طرابلس وثاني معرض أقيم في إيطاليا، وبعد ذلك حدثت فترة انقطاع طويلة، بعد أن أخذتني السينما معها، ورغم ذلك فأنا أعتبرهم جميعا لحمة واحدة.

مصنف کـ (سينمائي، تشكيلي، مصور فوتوغرافي)، ومع ذلك أجد التصوير أخذ حقه منك أكثر من اللازم، لماذا؟ وما هي أهم معارضك في فن التصوير؟

فن التشكيل قادني إلى التصوير، فالتصوير حالة تشكيلية وهما أخذاني في رحلة إلى العالم البصري، أما عن معارضي في الفوتوغراف «مسيرة الشمس» « ذاكرة الأشياء» «طرابلس أرض الزهر والحنة» «صناعة القلق»،»القلق أيضا»، ثم «القلق القلق»، وهو تشكيلي، ومن هنا صار الانحراف في نفس مجموعة القلق و»هزيع الليل» تكملة له، وهذان المعرضان الأخيران جاءت ولادتهما واحدة في نفس فترة التحرير، و»هزيع الليل» تأخر بعض الشيء لظروف، حيث لم تعرض كامل الأعمال، وما زالت هنالك أعمال حجم صغير وعمل جداري كبير ولكن لظروف إمكانيات العرض في القاعة فرض علينا بتجزئة العمل إلى جزأين أولهما «هزيع الليل» وتبقى المجموعة الثانية لما بعد.

السيفاو عن ماذا يبحث في أي معرض يقيمه؟

أنا علاقتي دائما وأبدا ملتصقة بالإنسان — فلا تهمني التسميات أو التقنيات فالفوتوغراف تقنية والتشكيل تقنية حتى في الرسم تقنية, فأنا أستخدم الألوان بشكل فج متوحش وبشكلها الطبيعي دون خلط الألوان ببعضها ولم أستعمل الفرشاة في التلوين، حيث يشعر المتفرج على لوحاتي في هذا المعرض بأن الألوان تهاجمه ودائما هي في حالة صدامية.

نقرأ في لوحاتك اعتراضا أو تحد، لماذا؟

جميع هذه اللوحات رسمت في فترة التحرير أي أنها قريبة جدا من الوطن، حتى الصحيفة التي أسستها «لالوت»، تجدين المصور والتشكيلي ولو طالعت الصحيفة لوجدت جميع مواضيعها لها علاقة وثيقة بالصورة، حتى القصة أراها صورة والمقال أيضا أراه صورة، فإذا كانت قريبة من الوطن أنشرها، ولدي مجلة مرئية سوف يصدر أول عدد منها مطلع العام القادم.

حالة الإبداع لديك غير محاصرة ضمن تصنيف هل في هذا التنقل ظلم للسيفاو؟

الفنان أحيانا لم تتفجر الحالة الإبداعية بداخله لكنها متلبسة فيه، لذلك قد تخرج بشكل لا يتوقعه الفنان لذلك لم تأت الصورة على حساب اللوحة التشكيلية أو العكس.

نلاحظ أن الإنترنت ساهم بشكل كبير في انتشار الصورة، هل أنت مع أن تعرض صور المبدع التي التقطها على الإنترنت؟ أم تبقى في المعرض؟

قد لا يسير المعرض بسرعة الانتشار على الإنترنت، إلا أنه يحمي المبدع، فالإفراط في التصوير الآن، شكلا حالة إباحية تجاوزت الحدود وأصبحت غير معقولة، حيث انتشرت صور لكل من هب ودب على صفحات الانترنت بحثا عن الانتشار، ولذلك ظُلم المصور الاحترافي والمبدع، وكأن التصوير حالة سهلة وبسيطة، فللإنترنت حسناته ومساوئه قد يساهم في الانتشار، ولكنه أيضا ينشر للدخلاء على التصوير، ولكن حسناته تغطي على سيئاته.

فأنا عندما أضع صورة على الجدار في المعرض أريد أن يتفرج عليها الناس لا أن تتم سرقتها واستخدامها في أشياء أخرى، فقط أرغب أن يكون المتلقي قريبا من الصورة ولديه إحساس كبير بالصورة وما يهمني هو أن ترتقي الذائقة الجمالية لدى المتلقي فيرتقي الفنان مع الإبداع والمتلقي يتجاور مع الفنان حوارا حقيقيا، فالعلاقة بين العمل والمتلقي تأتي من خلال المعارض، لأنه يكتسب تحصيلا ثقافيا جيدا، وهذا يتأتى من استمرارية العروض والمعارض والندوات شبه التخصصية التي تعطي للمتفرج مفاتيح اللوحة ومفاتيح العمل الإبداعي كي يستطيع التوغل فيها أكثر، ويمكن أن يتطور ويصبح ناقدا، فالحالة النقدية التي تبدأ بناءة تخلق أرضية صلبة لانطلاق الفنان وتساهم بكثرة المبدعين.

التقنية المستحدثة على الصور من برامج تحسين الصورة هل تساهم في الخلط بين الفنان المزيف والفنان المبدع؟

المحسنات سيئة جدا، كالمحسنات في الطعام فسيئاتها أكثر من حسناتها، والصورة المحسنة تفقد مصداقيتها فنيا، لأنها تعكس عجز المبدع والفنان أن يوصل الحالة بشكلها الطبيعي إلى المتفرج.

اختيار العنوان لمسميات معارضك، هل هو عامل جذب؟ أم حالة توحد بين الكلمة والصورة؟ أم لخلق نوع من الاجتهاد لدى الزائر للغوص في أعمالك؟

جميعها تأتيني من الإنسان أي الحالة المرتبط بها في لوحاتي الإنسان، فمعرض «هزيع الليل»، مأخوذ من حالات الثوار.. فالشمس هي الحرية والأرض الجذور والإنسان هو الوجود، فهذه الثلاثية خلقت هزيع الليل، فالإنسان هنا هو الذي قاد الثورة والذي حرر وسلم سلاحه، أما الموجودون الآن فهم ليسوا ثوارا، فالثورة انتهت، ولكن ما زالت حرب التحرير مستمرة ضد السراق واللصوص والمفسدين، فالإنسان في معارضي ما يزال يتكلم.

كيف يرى السيفاو معرضه، هل قال ما يريد في لوحاته؟

نعم ، قلت ما أريد، ولكن ينقصنا كوادر نقدية أو أدوات نقدية تستطيع أن تربط بين اللوحة والمتلقي، ولا أعرف ما سبب عدم وجود هذه الشرائح المهمة.

فنحن لدينا صحافة وروائيون وتشكيليون من 1898، لم أفهم لماذا هذه الأرض لم تنجب نقادا وأحيانا نجد مبدعا شق طريقه كناقد وانتهى بقاص، فالصحف والنشاطات موجودة ولكن مازلنا نفتقر إلى النقاد المتخصصين.

هل السبب في هذا التحول عدم توفر الدعم المعنوي لدى الناقد؟

أنا لا أفهم هل المبدع مرتبط بالمادة أو المادة مرتبطة بالمبدع، لدينا الكاتب والمبدع والناقد ولكن الجل الأعظم منهم انطباعيون، أي أنهم يكتبون كتابات انطباعية جميلة ورائعة ومبدعة وكفى، أي أنه لا توجد قراءة نقدية تفصيلية للعمل الفني وتحديدا لمفاصل العمل، من أي مدرسة يندرج العمل وما هي الأدوات المستخدمة وطبيعة الألوان؟ وهل هي صدامية؟ أم هاوية مرة واحدة أي ليست موجودة فعليا في اللوحة رغم وجودها ماديا، هذه جميعها مفاتيح اللوحة يجب أن يفك رموزها الناقد المتخصص.

استخدمت طريقة جديدة في معرضك، بأن عرضت لوحة خارج حدود الإطار وتركت الإطار قيد التحريك ليتناوب المتلقي في تأطير اللوحة، ما الذي دفعك إلى استخدام هذه الطريقة؟

هذا ما أريده أريد مشاركة قارئ اللوحة لألواني أن يستجمع ما فيها من جمال تكون في دماغه ليشكل بها عملا داخل هذا العمل الكبير، فالعمل غير المحدد بإطار وغير المعلق على الجدار هو عمل حر ملتصق بالأرض، فالالتصاق بالأرض يعني أرقى الأعمال لأنه أسمى من أن يتأطر أي لا يعترف بحدود العمل الإبداعي.

فالإطار يخنق الألوان ويحاصر الفكرة الإبداعية فالعبثية تبدأ من التأطير، والأوروبيون تجاوزوا هذه المسألة فهم يشتغلون بأعمال ضخمة تقاس بالأمتار، ويجب أن تتجاوز التأطير أيضا لترتقي بالعمل تقنيا وإبداعيا.

الألوان التي تستخدمها في هذا المعرض ألوان صدامية. هل استخدمت هذه الألوان في معارضك السابقة؟ ولماذا تستخدمها الآن؟

هذه أول مرة استخدم فيها الألوان الصدامية وهي ألوان حية وألوان صارخة، فتشعر بأن اللوحة كأداة هجوم لمن يقابلها، فهي تدافع عن شيء معين، فهناك للأسف أعمال ليست لها قضية وليس لديها هدف محدد وتجدها تقرأ الأشياء بسذاجة وفيها برجوازية مهشمة وليس لديها أفق وألوانها فيها نوع من التباهي والترف،، وهذا ما أستبعده في لوحاتي لذلك لوحاتي تحوي الألوان الصدامية.

هل تتشابه هذه الألوان مع صورك التي تلتقطها؟

نعم ، الشبه كبير بين الحالتين

الفيلم التسجيلي الوثائقي والصورة الواقعية فيهما توافق كبير، أين أنت الآن من هذه الأفلام؟

لدي العديد من الأعمال التسجيلية .. التي تحاكي الواقع على سبيل المثال عمل «المرفأ»، الذي يروي قصة صياد تهشمت قواربه ولديه رغبة في الإبحار ويراقب القوارب المبحرة وهو العاجز فيعود إلى كوخه ليصلح الشباك إلى أن يتم إصلاح قاربه ويبحر، جسد هذا العمل بدقائقه الثمانية حالة الإنكسار، ولدي أعمال غير كاملة تنتظر أن ترى النور.

سلسلة القلق بدأت منذ 2009، هل كانت تقرأ المستقبل؟

في عام 2018 شاركت في معرض في الإسكندرية وكانت واحدة من الأعمال تابوت على شكل قارب على الشاطئ، فكانت اللوحة كأنها تنبئ بدم الشهداء، وفي 2009 صارت سلسلة متكاملة «صناعة القلق» .. «القلق» و «القلق أيضا» و»قلق القلق» وحتى «ثنايا الزمن»، 2007 كانت قراءة لأحداث العراق، فدائما معارضي تستلهم نبض الشارع.

نلاحظ أن المشاركات الفنية الخارجية بسيطة ومقتصرة على علاقاتك الشخصية، هل السبب في ذلك عدم وجود نقابة للفنانين التشكيليين؟

شاركت بمهرجانات ومعارض دولية ولكنها مشاركات فردية ولكني أمثل الوطن من خلالها رغم عدم رعاية الدولة لفنانيها فأنا لا أعرف لماذا لا يوجد لدينا نقابة للفنانين التشكيليين؟ ربما المناخ غير مناسب، والغريب أن ليبيا لديها أسماء كبيرة في شتي الفنون وقدرات ممتازة، وللأسف نحن نشارك في معارض دولية بشكل شخصي يعتمد على المعارف، فجميع المسؤولين الذين يتولون مهام الثقافة أو الإعلام دائما محيدين الأدوات الفنية كالرسامين والفوتوغرافيين ولا أعرف السبب، هل هو خوف منهم أو عدم معرفة بقيمتهم، رغم أن المسؤولين مثقفين لكنهم عاجزون عن التواصل معهم أو الالتصاق بهم، ونجد في آخر العام ميزانية وزارة الثقافة تهدر على أشياء لا قيمة لها.

فلم نشاهد أي فنان سافر للمشاركة في مهرجانات دولية، بل تجد فقط أصحاب الحقائب الجلدية فأنا لا أتمنى أن تكون هناك وزارة للثقافة أو للإعلام لأنهم كذبوا، ولأنها مولود عاجز عن تقييم نفسها، أو أن تفتخر بفنانيها.

الصراع بين الليل والنهار، بين الظلال والضياء بين الصورة الملونة والصورة بالأبيض والأسود. كيف يتعامل معها المصور الفوتوغرافي أحمد السيفاو؟

أنا من مؤيدي اللون الأبيض والأسود في صوري التي التقطها وقضيت أغلب عمري بين هذين اللونين، ولكن العمل الصحفي أجبرنا على التعامل بالصور الملونة، فالأبيض والأسود هما أكثر الألوان الحقيقية التي تعكس أحاسيس ومشاعر الإنسان، أي تخلق الصراع بين الضياء والظلال فالإنسان دوما في حالة صراع.

ماذا بعد هزيع الليل؟

لدي معرض فوتغرافي أسميته «جدل الحقيقة» مع مجموعة شباب جدد في مجال التصوير وسأكون معهم في هذا المعرض والأعمال التي سأشارك بها أسميتها، «برائحة الوقت»، لما يحمل الوقت من أهمية في حياتنا.

عناوين جانبية :

 

-هذه أول مرة أستخدم فيها الألوان الصدامية وهي ألوان حيّة وألوان صارخة

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى