منصة الصباح
قصي البسطامي

من اليسار الهابط إلى اليمين المتطرف الصاعد في أفريقيا، قراءة تحليلية حول التحولات السياسية والإجتماعية في ملف الهجرة غير الشرعية

قصي البسطامي

حين تعجز الدولة عن حل أزماتها الراهنة، يندفع المواطنون غصبا إلى أن يحلّوا محل الأجهزة الأمنية، هذا العجز ذاته يتكرر في كل مرة، فكما عجز المسؤولين الفاشلين في حل أزماتنا الاقتصادية، ومن ثم إلقاء الثقل على المواطن وحده،

كذلك هي الآن عاجزة عن حل أزمة الهجرة غير الشرعية، تاركة المسؤولية كلها ملقاة على عاتق مواطن غاضب أفقره اللصوص وحولوا شعوره بالكراهية إلى أن يصبه كلهّ اتجاه مهاجر ضعيف لا يملك حق الدفاع عن نفسه،

ان الصدام المباشر هذا هي وسيلة إلهاء عن القضية المركزية التي تهم المواطن الليبي والتونسي والجزائري، فبدل من محاربة الفساد والنهب العشوائي للمال العام يتم صرف أنظارنا ودفعنا لخوض معارك هامشية لا طائل من وراءها سوى تصدير صورة سيئة للعالم عن أنفسنا بل كمقاولين وعمال للساحل الأوروبي ، واعتبار أن الليبيين عنصريين اتجاه البشرة السوداء، وأن نظرتهم للأفريقي لا تقل درجة عن نظرة الانسان إلى الحيوان على سبيل المثال،

الحق أقول لكم أننا بتنا نخوض معركة بالوكالة، معركة كان الاستعمار يخوضها بشكل مباشر دون توكيل أحد، أما الآن فقد اختلفت السياسات وتطورت الرؤى والأفكار، وباتت العملية تُدار وفقا لمصالح السادة الغربيين الذين يحاولون قدر المستطاع نزع صفة العنصرية والاحتلال من قواميس تاريخهم المجيد وإلصاقها بنا دون أن ندري…وهكذا

من جهة أخرى حين نسمع بأن الأفريقي يقول أن العرب احتلوا شمال أفريقيا، فهذا يعني أن منظمة الأفروسنتريك المدعومة من جهات غربية هي من خلقت لهم هذا التشوه في المخيال الجمعي،

إن الغرب يحاول اعادة برمجة الوعي الأفريقي بما يخدم مصالحه هو، في الوقت نفسه يقحم الأفارقة في ادعاء هووي كاذب مبني على رؤية عنصرية مضادة لبقية الأعراق،

وقد تجد لنفسها مبرر حين ترى العنف ضد السود تزداد وتيرته في ليبيا وتونس ومصر والجزائر، ان هذا العنف العنصري هو الذي يعزز رؤية الأفروسنتريك ويؤكد على مزاعمه وهو الذي يصر على الاستمرار في مشروع اعادة كتابة تاريخ شمال أفريقيا للسطو عليه وتبرير وجودهم هنا بدافع عقدي عنصري أيديولوجي لا بدافع التعايش السلمي،

ذلك لأنهم يعتقدون قطعا أن الحضارة الفرعونية هم من بنوها وان أشلاء بقايا الحضارات في المغرب العربي هي حضارة سوداء- رغم ان هذا الادعاء االسخيف يمكن دحضه بسهولة – فإذا ما فرضنا بأن بنّائي هذه الحضارة الفرعونية هم من السود فلماذا لم يتم تكرار تجربة البناء والتحنيط ونقش الحروف الهيغروليفية في غابات الكونغو أو في جبال أثيوبيا أو في صحراء النيجر أو تشاد ومالي، أو في ساحل العاج. على كل حال لا أرغب في خوض عراك آخر وانما أحاول أن أقرأ المشهد كما ينبغي..

يمين ضد اليمين حرب بالوكالة.

تجدر الإشارة إلى أن الصراع ها هنا هو صراع مقيت تغذيه أطراف خارجية تعمل ليل نهار على تحريك سياسات غرائز الكراهية لدى الطرفين بشكل مرعب. يجب أن ندرك حقيقة مهمة ولتظل هذه الحقيقة حقيقة ثابتة لدينا، إن الغرب لا يحل الأزمات بشكل جذري بل يعمل على إدارتها واستمراريتها لتلافي الضرر، وليس الأمر غريبا حول إدارتهم لأطراف النزاع فالتاريخ يرينا الحروب الأهلية التي تفاقمت واندلعت في بلدان القارة السمراء كلها،

فالذي يطلع على ما جرى في رواندا من حرب أهلية بين الهوتو والتوتسي – إحدى أكبر التجمعات الإثنية داخل رواندا – يدرك حقيقة أن تصدير النظرية الداروينية الاجتماعية والتقسيم الإداري الذي أعطى امتيازات للتوتسي مقابل امتيازات أقل للهوتو هو الذي عمق المشكلة وجرّت معها حربا أهلية دامت لمائة يوم وأسفرت عن مقتل 800 ألف إنسان،

كل ذلك كان بسبب المستعمر البلجيكي لهذه الدولة وهو ما أشعل فتيل شرارة الحرب العرقية داخل رواندا، ولم تخمد نيران الحرب هذه إلا في آواخر التسعينات من القرن الماضي. لقد كان التمايز بين الإثنيتين قبل استعمار بلجيكا لها هو تمايز مبني على المكانة الاجتماعية والإقتصادية وحسب،

هذا أمر طبيعي نجده بين كل اثنيات العالم، لكن ما جرى حقيقة هو أن المستعمر تبنى النظرية الداروينية الاجتماعية وأعتبر بأن التوتسي هو أقرب إلى الملامح الأوروبية البيضاء من الهوتو، ورأى على إثر هذه النظرة النازية السخيفة بأن تعطي امتيازات الحكم والإدارة لهم على حساب المكونات الإثنية الأخرى.

من السيدة إلى التابع ” تصدير أيديولوجيا اليمين المتطرف “

إن اليمين المتطرف في أوروبا يصدر ايديولوجيته وعقده إلى الدول التابعة وتنوب عنها في معاركها الرخيصة، لقد ساهم اليمين المتطرف بشكل ما في خلق تصورات عرقية مشوهة عن السود هنا في بلداننا،

يلي ذلك تصدير نفس التصورات المشوهة بناء على فرضيات تاريخية لا تستند إلى دليل علمي وإنما إلى تخمينات مبنية على تشابهات أو صدف أحفورية أو منحوتات على جداريات المعابد القديمة للفراعنة، أو تماثيل موزعة في المتاحف المصرية وغيرها،

هذا النوع من التكهنات التاريخية هي التي تخلق إنتماء وهوية زائفتين، وهي من تغذي النزاع وتنمي في الإنسان الشعور بالرغبة في نفي أخيه الإنسان، وإثبات وجوده على حسابه، في الوقت عينه لا يستند هذا الإدعاء المضحك إلى أي حقيقة علمية على الاطلاق.

إن لدى تيار الأفروسنتريك هذه المزاعم والذي يُعتقد ضمنا أن أفريقيا للأفريقيين السود وأن لا وجود لأي لون بشرة أخرى في هذا المكان عدى السود وحدهم، كذلك الأمر نفسه عند اليمين الوطني في دولنا الذين يعتقدون بأن لا وجود لبشرة سوداء في بلداننا…. ولربما تحالف الأفروسنتريك مع منصة Netflix الأمريكية وإصدار أفلام تاريخية عن الفراعنة بلون بشرة سوداء داكنة يبين لنا العلاقة الوطيدة التي انتهت إليها الأفروسنتريك، مع السياسيات الغربية الحديثة التي وضعتهم في جبهة الصراع مع إخوانهم في شمال أفريقيا

وقد تجلت هذه الصورة في فيلم كيلوباترا الذي صدر عن Netflix عام 2023 وجسدت دورها الممثلة البريطانية أدل جيمس Adel James. ولكي لا ننسى إن اليمين المتطرف في داخل هذا التيار هو الذي حرّف المسار وأضعف تأثير خطاب اليسار داخله، مما زحزح اتجاه الأفروسنتريك نحو اليمين أكثر ومد جسور التعاون بينه وبين مستعمره القديم.

ضعف اليسار في القارة الأفريقية.

بعد أن كانت القارة السمراء مشبعة بأفكار التيارات التحررية اليسارية وبعد أن خسر اليسار رهانه هذا على مدى السنين الماضية إلى تحويل دول العالم الثالث إلى جبهة مقاومة ضد الرأسمالية والمركزية الأوربية للرجل الأبيض،

بعد هذا السقوط المودي لسرديات المقاومة الكبرى ورموزها من أمثال سانكارا ومانديلا وماتريس لومومبا وسامورا ماشيل وكريس هاني وأمبركال كابلار، وفرانز فانون حدث تحول آخر أفضى إلى صعود مفكري اليمين المتطرف بدلا من أولئك اليساريين، أمثال موليفي أسانتي صاحب كتاب ” الجذور الزنجية للحضارة المصرية ” شيخ أنتا ديوب، وتشانسيلور ويليامز صاحب كتاب” تدمير الحضارة السوداء وهو من الكتب المؤثرة لدى الأفروسنتريك ”

هذا الخطاب اليميني الصاعد وضع نصب عينيه استهداف شعوب شمال أفريقيا، وتحويل دفة الصراع من الخارج مع الغرب قديما، إلى الداخل وهذه المرة مع العرب، إن هذا النوع من سياسات الكراهية دفع المجتمعات المتخلفة بأن تواجه بعضها بعضا داخل القارة، هذا الأمر أشبه بحالة عصابية من هذيان الشعوب ومن ضعف قدرتها أو عجزها على مواجهة مسؤوليها الفاسدين بل وتضليلها وإفساد مشروعها الحقيقي،

إن صراعنا الداخلي هو صراع بات يقوده اليمين المتطرف وحده بل بات الأجدى أن نسميه عصر اليمين بكل تجلياته وتناقضاته، بينما اليسار خفت صوته وضاع أثره في أسواق الرأسمالية التي حولتهم إلى رسومات كاريكاتورية على أكواب القهوة وعلب السجائر وأقمصة كرة القدم وعلى جداريات الشوارع القذرة..

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

خارج نطاق التغطية

زايد…ناقص صباحَ كل يوم: يمرّ به عابرون لا يرونَه. قلقٌ مناكفٌ يسبح في هواء راكد. …