منصة الصباح
مبادرة زراعة أشجار الطلح بسوكنة
من بذور الطلح إلى بحيرات الأسماك.. مبادرات شبابية تعيد الحياة إلى بيئة سوكنة--- مصدر الصورة: منصة الصباح

مبادرات شبابية تعيد الحياة إلى بيئة سوكنة

إعداد : هدى الغيطاني

وسط اتساع رقعة التصحر وتزايد ظاهرة القطع الجائر للأشجار في الأودية الليبية، اختارت مجموعة من شباب مدينة سوكنة أن تتحرك بعيدًا عن انتظار الحلول التقليدية، مطلقة سلسلة من المبادرات البيئية التي بدأت بزراعة أشجار الطلح، وامتدت إلى حماية الحياة البرية واستزراع الأسماك، في تجربة مجتمعية تهدف إلى استعادة التوازن البيئي وتعزيز التنوع الحيوي.

ويؤكد القائمون على هذه المبادرات أن حماية البيئة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل تبدأ من المبادرات المحلية التي تعتمد على الجهود التطوعية وتستند إلى المعرفة بالبيئة المحلية واحتياجاتها.

القطع الجائر

شباب وأطفال ومختصين يقومون بزراعة أشجار الطلح في أودية سوكنة
شباب وأطفال ومختصين يقومون بزراعة أشجار الطلح في أودية سوكنة، مصدر الصورة: منصة الصباح

أوضح الناشط البيئي والمهتم بالتنوع البيولوجي عبد اللطيف عبد السلام المهدي أن المبادرة انطلقت بعد ملاحظة التراجع الكبير في أعداد أشجار الطلح بأودية سوكنة الواقعة في منطقة الجبل الأسود، نتيجة عمليات القطع الجائر التي حولت عدداً من الأودية إلى مناطق جافة وقاحلة.

وقال إن الفريق أطلق مبادرة لزراعة الطلح بالبذور بعد إجراء تجارب متعددة للتأكد من نجاح الإنبات، باعتبار أن هذه الشجرة تعد من أهم الأنواع المحلية القادرة على مقاومة الظروف الصحراوية ودعم الغطاء النباتي.

نتائج واعدة

اعتمد المتطوعون على تنفيذ 25 عينة تجريبية وزعت على ثلاثة مواقع داخل أودية جافة تكاد تخلو من الأشجار، حيث جرى إعداد حفر بعمق يتراوح بين 40 و50 سنتيمتراً، ووضع سماد عضوي مشبع بالرطوبة داخلها، ثم تغطية البذور بطبقة من الرمال وريها بالمياه.

الناشط البيئي والمهتم بالتنوع البيولوجي عبد اللطيف عبد السلام المهدي
الناشط البيئي والمهتم بالتنوع البيولوجي عبد اللطيف عبد السلام المهدي ، مصدر الصورة: منصة الصباح

وبحسب المهدي، أثبتت التجربة نجاحها بعد عشرة أيام فقط، إذ بدأت البذور في الإنبات بصورة جيدة بفضل احتفاظ السماد العضوي بالرطوبة وتوفيره العناصر اللازمة لنمو الشتلات في مراحلها الأولى.

وأشار إلى أن هذه النتائج شجعت الفريق على إطلاق مرحلة جديدة من المبادرة وإضافة عينات أخرى، لتكون نموذجاً عملياً يمكن للمتطوعين والجهات المهتمة الاعتماد عليه في مشاريع التشجير.

بديل الأنواع الدخيلة

يرى القائمون على المبادرة أن الحفاظ على البيئة يبدأ بزراعة الأنواع المحلية التي تتكيف مع طبيعة المنطقة، ولذلك ركزت المبادرة على الطلح مع خطط مستقبلية لإدخال شجيرات وأعشاب محلية تسهم في دعم المراعي واستعادة الغطاء النباتي الطبيعي.

كما لاقت المبادرة تفاعلاً واسعاً، حيث تلقى الفريق طلبات من مناطق في شرق وغرب ليبيا للحصول على البذور والانضمام إلى المشروع، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بالمبادرات البيئية المجتمعية.

تحديات الحماية والري

مبادرة زراعة أشجار الطلح بسوكنة
مبادرة زراعة أشجار الطلح بسوكنة، مصدر الصورة: منصة الصباح

ورغم النتائج المشجعة، تواجه المبادرة تحديات عدة، أبرزها صعوبة توفير المياه ومتابعة الشتلات، إلى جانب تعرض البادرات الصغيرة للرعي من قبل الإبل والحيوانات البرية.

ويعمل الفريق على توفير وسائل لحماية الشتلات خلال سنواتها الأولى، باعتبارها المرحلة الأكثر حساسية، كما ينفذ برامج لتقليم وتنظيف أشجار الطلح القائمة بالفعل في الأودية، بما يساعدها على النمو بشكل أفضل ويتيح الاستفادة منها كظل ومورد طبيعي للإنسان والحيوان.

حماية الأشجار الصغيرة

لا تقتصر جهود المتطوعين على زراعة أشجار جديدة، بل تشمل أيضاً حماية البادرات الطبيعية التي تنمو تلقائياً داخل الأودية، حيث يتم تحديد مواقعها ووضعها ضمن برامج متابعة وحماية لضمان استمرار نموها بعيداً عن مخاطر الرعي والقطع.

ويؤكد المهدي أن هذه الخطوات تمثل استثماراً طويل الأمد في الحفاظ على الغطاء النباتي واستعادة التوازن البيئي في المناطق الصحراوية.

استزراع الأسماك

ولم تتوقف المبادرات البيئية عند التشجير، إذ سبق للمجموعة نفسها إطلاق مبادرة لإعادة الغزال إلى براري سوكنة، لتشجيع الحفاظ على الحياة البرية، وهو ما ألهم مجموعات أخرى في مدن ليبية مختلفة لتنفيذ مبادرات مشابهة.

كما أطلقت المجموعة قبل عامين مبادرة لاستزراع أسماك البلطي في بحيرة “العرجة” المالحة، وهي بحيرة مخصصة لتجميع مياه الصرف الزراعي وتشكل محطة مهمة للطيور المهاجرة.

نظام بيئي متكامل

وأسهم استزراع الأسماك في القضاء على أنواع من البعوض وذبابة الرمل خلال عام 2024، كما ساعد في تعزيز التنوع الحيوي داخل البحيرة ودعم الطيور المهاجرة التي تعتمد عليها كمحطة موسمية.

وتقدم هذه التجارب نموذجاً لمبادرات محلية نجحت في تحقيق أثر بيئي ملموس بإمكانات بسيطة وجهود تطوعية، لتؤكد أن حماية البيئة تبدأ بفكرة، وتكبر بالمشاركة المجتمعية والإيمان بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

 

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

التعليم الطبي بين الشهادة والكفاءة

د. علي المبروك أبوقرين في عالم لم تعد فيه الأخطاء الطبية مجرد أرقام، وإنما خسائر …