منصة الصباح
صورة مركبة تضم بورتريه للكاتب التونسي كمال الرياحي وهو يبتسم ويرتدي نظارة طبية وبدلة أنيقة على اليسار، وعلى اليمين غلاف كتابه «فن اليوميات: من الحميمي إلى العام» بلون أبيض ورسومات هندسية ملونة
الكاتب والناقد التونسي كمال الرياحي وغلاف كتابه الجديد «فن اليوميات: من الحميمي إلى العام

كمال الرياحي في «فن اليوميات»: الذات تكتب تاريخا لا يرويه المؤرخ

الصباح /خاص

لم تعد اليوميات مجرد مساحة لتسجيل تفاصيل الحياة الخاصة، أو مرآة تعكس انشغالات صاحبها وحده، بل أصبحت، وفق رؤية الكاتب والناقد والإعلامي التونسي كمال الرياحي، فنا يتجاوز حدود الذات ليقرأ العالم ويعيد بناء الواقع، ويكشف جوانب من التاريخ قد تغيب عن الروايات الرسمية.

هذه الرؤية تشكل أحد محاور كتابه الجديد «فن اليوميات: من الحميمي إلى العام»، الصادر عن منشورات حياة في جدة بالمملكة العربية السعودية، في 480 صفحة، وهو عمل يتناول تحولات هذا الفن، ويضع التجارب العربية في حوار مع المنجز العالمي، مستندا إلى سنوات من البحث والتنقيب في مدونات اليوميات.

 من الحميمي إلى التاريخ السري للشعوب

يشرح الرياحي التحول الذي عرفه فن اليوميات، قائلا:

«مر فن اليوميات بتطور كبير غادر فيه تلك المنطقة الحميمية منذ زمن وأصبحت اليوميات الحميمة جزءا من فن شاسع يتعدى الانتيم / الحميمي إلى الاكستيم / الخارجي والعام، ولذلك توقف منظروه منذ زمن عن استعمال عبارة “اليوميات الحميمة” إلى “اليوميات الخاصة”، وفي اليوميات الخاصة ينشغل مدون اليوميات بالعالم وإن انطلق من الذاتي، فالذات بمفهومها الفلسفي الميرلوبنتي ليست جزيرة معزولة سابحة في العدم، بل هي موجودة في العالم ولا يمكن أن تثبت وجودها إلا بوعيها بالعالم الذي حولها.

لذلك كانت اليوميات تاريخ الشعوب السري الذي يفلت من المؤرخ الرسمي أو يستبعده عمدا لارتباط المؤرخ بالسلطة.

إن الذات في فن اليوميات منذ بداية القرن العشرين على الأقل هي نافذة شخصية تطل منها الأنا الفردية على الأنا الجمعية لتقرأ الواقع أو تعيد بناءه ذهنيا».

بهذا التصور، لا تنفصل الكتابة عن محيطها، حتى عندما تبدأ من تجربة شخصية؛ فالذات لا تعيش خارج العالم، وما تسجله عن نفسها قد يتحول إلى وثيقة تكشف ملامح عصرها، وتمنح القارئ فرصة الاقتراب من تجارب إنسانية لا تظهر بالضرورة في كتب التاريخ التقليدية.

 الذاكرة الفردية ووجوه التجربة الإنسانية.

لا تقتصر دوافع كتابة اليوميات على حفظ الذكريات، بل تتصل أيضا بقدرة الإنسان على إعادة اكتشاف ذاته ومحيطه، خصوصا في التجارب التي تضعه أمام الخطر أو الفقد. ويوضح الرياحي ذلك بقوله:

«أسباب ودوافع تسجيل اليوميات كثيرة عددنا الكثير منها في الكتاب، ولكن حفظ الذاكرة أحد الأهداف الرئيسة للتدوين، والذاكرة تتعدى ذاكرة الأنا إلى ذاكرة الإنسان.

نحن نعيش مآسي الإنسان في كل مكان ونحن في بيوتنا الآن، ويمكنك أن تتفاعل وأنت في السودان أو ليبيا مع مشهد في القطب الشمالي وتجد نفسك مثخنا بالأحاسيس وأنت تشاهده وتقرأ به واقع الإنسان ومآلاته.

الحرب والمنفى أو الفقد بشكل عام من المحاور الرئيسية التي انشغل بها الكتاب، لأنها تجارب فارقة تمر بهذه الذات المؤلفة لليوميات، وفي تلك التجارب تكون الذات في موضع خطر حقيقي يجعلها أعمق، فكلما أحاطنا الخطر أكثر تعرفنا على ذواتنا أكثر. وقدم الكتاب نماذج كثيرة عن تلك التجارب من يوميات العالم العربي منها والعالمي».

تكشف هذه الإجابة عن جانب أساسي من رؤية المؤلف؛ فالذاكرة التي تحفظها اليوميات ليست ملكا لصاحبها وحده، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة للتعاطف مع الآخرين، وإلى وسيلة لقراءة المصير الإنساني بعيدا عن حدود المكان والجغرافيا.

 الأدب المقارن بوابة لاكتشاف المنجز العربي.

لا ينطلق كتاب «فن اليوميات: من الحميمي إلى العام» من مدونة عربية مغلقة، بل يربط التجارب العربية بالكتابات العالمية، وهو ما يعده الرياحي إحدى ميزات العمل وفرادة مقاربته. ويقول:

«وهذا أعتقد ميزة الكتابة وشموليته وفرادته، أنه لا يستند في مدونته على منجز منطقة ما عربية مثلا كما ذهب إلى ذلك البعض، بل ينزل من المدونة العربية التي اكتشفتها عبر سنين البحث في قلب المنجز الغربي العريق. فنحن في الكتاب في الأدب المقارن وتثمين المنجز العربي بربطه بالعالمي، حيث لا يمكن اكتشاف قيمة ما أنجز عربيا في فن اليوميات إلا باستحضار المنجز العالمي».

يضع هذا المنهج اليوميات العربية في سياق مقارن يتيح قراءة خصوصيتها، والتعرف إلى موقعها ضمن تاريخ هذا الفن وتنوع أشكاله. فالمقارنة، وفق هذا التصور، لا تنتقص من التجربة العربية، بل تساعد على اكتشاف قيمتها وإبراز ما قدمته إلى الذاكرة الثقافية الإنسانية.

«اليوميات أكبر من الأدب»

في ظل اتساع الكتابة اليومية عبر المنصات الرقمية، يطرح الكتاب سؤالا يتجاوز حدود الاعتراف باليوميات جنسا أدبيا، ليتصل بموقعها بين الفنون وأشكال التعبير. ويختصر الرياحي رؤيته في عبارة «اليوميات أكبر من الأدب»، ثم يوضح:

«اليوميات أكبر من الأدب، في الوقت الذي يبحث البعض عن اعتراف بها كجنس أدبي، ذهبت اليوميات بعيدا في ترسيخ نفسها كفن عابر للفنون، فاقتحمت الفنون التشكيلية والسينما والمسرح والصحافة والموسيقى والرقص والتصوير الفوتوغرافي والرواية والقصة القصيرة وحتى الشعر.

في العالم تقرئين في سير المبدعين صفة “يومياتي” Diarist جنبا إلى جنب مع الشاعر أو الروائي.

شخصيا في مكتبتي عندي أكثر من 1000 منجز من عيون اليوميات العالمية التي أقدم عليها الفنانون والكتاب والسياسيون والرياضيون وحتى القتلة وعارضات الأزياء».

ويواصل الرياحي حديثه عن مكانة هذا الفن في المشهد الثقافي والنقدي:

«رغم حسم النقاد في أن اليوميات جنس أدبي، إلا أن اليوميات اليوم تحررت من هذه التصنيفات لتنزع لها حضورا خاصا لتكون أسلوب حياة وفنا عابرا للأجناس الأدبية والفكرية والفنية. إنها أحد التعبيرات الاستثنائية التي لم ينتبه لها النقد العربي للأسف بما يليق بأهميتها، على الرغم من تراكم التجارب فيها منذ بداية القرن العشرين، وتكشف عمليات التنقيب الثقافي كل عام عن جديد فيها، حتى وصلنا اليوم إلى إدراك أن أعظم كتابنا مارسوا هذا النوع من الفن، ولكنهم لم يشهروه ولن ينشروه لأسباب عدة يناقشها الكتاب، من أبي القاسم الشابي إلى نجيب محفوظ، ومن حيدر حيدر إلى إبراهيم الكوني، ومن محمد شكري إلى محمد خير الدين، ومن يوسف الصايغ إلى محمد الصغير أولاد أحمد».

تتسع اليوميات، وفق هذه الرؤية، لتشمل تجارب تتجاوز الكتابة الأدبية بمعناها الضيق، وتكشف عن ممارسات إبداعية قد تبقى بعيدة عن التداول العام، رغم أهميتها في فهم أصحابها ومراحلهم التاريخية. كما يلفت الرياحي إلى أن البحث في الذاكرة الثقافية ما زال يكشف عن تجارب عربية لم تحظ بالاهتمام النقدي الكافي.

 كتاب يعيد النظر في الكتابة عن الذات.

يمثل «فن اليوميات: من الحميمي إلى العام» محاولة لقراءة هذا الفن من زاوية تتجاوز تسجيل الوقائع الشخصية، إلى فهم علاقته بالذاكرة والتاريخ والمجتمع، ورصد امتداداته في الأدب والفنون المختلفة. ويجمع الكتاب بين الاهتمام بالتجربة العربية والانفتاح على المدونة العالمية، مستندا إلى مقاربة الأدب المقارن بوصفها طريقا لاكتشاف قيمة المنجز العربي ووضعه في سياقه الأوسع.

ولا يقتصر الرهان هنا على استعادة نصوص يومية أو التعريف بأصحابها، بل يمتد إلى إعادة الاعتبار لنمط من الكتابة يستطيع أن يحفظ ما قد يغيب عن الروايات الرسمية، وأن يحول التجربة الخاصة إلى نافذة تطل منها الأنا الفردية على ذاكرة الجماعة.

شاهد أيضاً

صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي

بريطانيا تدعو الأسر إلى تخزين مؤن تكفي 3 أيام تحسبًا للطوارئ

دعت الحكومة البريطانية الأسر إلى الاحتفاظ بمخزون منزلي من الغذاء والمياه والمستلزمات الأساسية يكفي لمدة …