قراءة في التحول نحو السياسة الجنائية الوقائية
د. مجدي الشبعاني
أستاذ القانون العام المساعد
لا ينبغي النظر إلى البيان الأخير الصادر عن مكتب النائب العام بشأن ضبط استعمال المبيدات الزراعية المحظورة بوصفه مجرد إعلان عن مباشرة تحقيق جنائي في واقعة محددة، بل يمثل – في تقديري – مؤشرًا مهمًا على تطور فلسفة العمل الجنائي في ليبيا، وانتقالها تدريجيًا من الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الجريمة إلى تبني سياسة جنائية وقائية تستهدف حماية المجتمع قبل تحقق الضرر.
ولا يقتصر هذا التحول على تطوير وسائل التحقيق أو توسيع نطاق الملاحقة الجنائية، وإنما يعكس تغيرًا في وظيفة النيابة العامة ذاتها؛ إذ لم يعد دورها في الدولة الحديثة ينحصر في تحريك الدعوى الجنائية بعد وقوع الجريمة، بل يمتد إلى حماية المصالح العامة التي يقرر القانون صونها، ومنع تحقق الأخطار التي قد تهددها متى توفرت المؤشرات العلمية والقانونية التي تبرر التدخل.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية الأمن الغذائي تمثل امتدادًا لالتزام الدولة بحماية الحق في الحياة والصحة والبيئة السليمة، وهي حقوق لا تتحقق بمجرد معاقبة الجناة بعد وقوع الضرر، وإنما تستوجب سياسات استباقية تحول دون تعريض المجتمع لمخاطر كان بالإمكان منعها قبل وقوعها.
ولعل ما يميز هذه القضية أن النيابة العامة لم تتعامل معها باعتبارها جريمة مكتملة الأركان فحسب، وإنما باعتبارها خطرًا عامًا يستوجب إدارة مؤسسية متكاملة. فانطلقت من معلومات دلت على وجود تهديد يمس البيئة والصحة العامة والأمن الغذائي، ثم باشرت جمع العينات، والاستعانة بالخبرة الفنية، وتحليل النتائج، قبل الانتقال إلى إجراءات التحقيق وضبط مصادر تداول المبيدات المحظورة، مع إعلان واضح عن التوجه نحو وضع تدابير معززة للأمن الغذائي.
وهنا تتجلى بوضوح ملامح السياسة الجنائية الوقائية؛ فإذا كانت السياسة الجنائية التقليدية تُقاس بقدرتها على اكتشاف الجريمة وتحديد مرتكبيها وتوقيع الجزاء عليهم، فإن السياسة الجنائية الوقائية تُقاس بقدرتها على منع وقوع الجريمة أصلًا، من خلال رصد المخاطر، وتحليل أسبابها، والتدخل المبكر للحد منها قبل أن تتحول إلى أضرار تمس المجتمع. ولذلك لم تعد النيابة العامة تكتفي برد الفعل، بل أصبحت أحد أدوات الدولة في إدارة المخاطر التي تهدد المصالح العامة.
كما أن ما تكشفه هذه القضية يتجاوز حدود التحقيق في واقعة بعينها؛ إذ يعكس تطورًا في وظيفة الدولة نفسها، من الاكتفاء بإدارة آثار الأزمات بعد وقوعها إلى تبني نهج استباقي يقوم على رصد المخاطر وتحليلها والتدخل المبكر لمعالجتها. وفي هذا الإطار، أصبحت السياسة الجنائية جزءًا من منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر، ولم تعد مجرد وسيلة للعقاب.
وتشير البيانات المنشورة إلى أن الفحوصات شملت (774) عينة من المحاصيل الزراعية في ثلاث مدن رئيسية، وأظهرت نتائج التحليل وجود متبقيات لمبيدات محظورة أو تجاوزات للحدود المسموح بها في نسبة كبيرة من العينات. ولا تكمن أهمية هذه النتائج في عدد العينات وحده، وإنما في دلالتها؛ إذ تكشف عن مؤشر يستوجب مراجعة منظومة الرقابة على تداول المبيدات الزراعية واستعمالها، وتعزيز أدوات الوقاية والرقابة الفنية، بدلاً من النظر إليها بوصفها مجرد مخالفة فردية أو عرضية.
كما تؤكد هذه القضية أهمية الاعتماد على الأدلة العلمية في التحقيقات الجنائية؛ فالنتائج لم تُبن على افتراضات أو تقديرات، وإنما استندت إلى تحليل مخبري لعينات جُمعت وفق إجراءات فنية، وهو ما يعزز من قوة الإثبات، ويؤكد أن حماية الأمن الغذائي أصبحت ترتكز على المعرفة العلمية بقدر ارتكازها على النصوص القانونية.
ومن ناحية أخرى، فإن الأمن الغذائي لم يعد يُفهم اليوم باعتباره قضية زراعية أو اقتصادية فحسب، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني. فالدولة التي تعجز عن ضمان سلامة غذاء مواطنيها تواجه تحديات تمس الصحة العامة، والثقة في الأسواق، والاستقرار الاقتصادي، وقد تمتد آثارها إلى الأمن الاجتماعي. ومن ثم، فإن حمايته لم تعد مسؤولية وزارة الزراعة أو الجهات الرقابية وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية وطنية تتكامل فيها أدوار النيابة العامة، وأجهزة الضبط القضائي، والجهات الرقابية، والمختبرات الفنية، والسلطات الصحية، والأجهزة الجمركية، وسائر المؤسسات ذات العلاقة.
غير أن أهمية هذه الإجراءات لا ينبغي أن تُختزل في تحريك الدعوى الجنائية بحق المخالفين، فالملاحقة الجنائية، على أهميتها، تظل جزءًا من منظومة أشمل. أما النجاح الحقيقي، فيكمن في تحويل نتائج هذه القضية إلى سياسات عامة أكثر فاعلية، من خلال تشديد الرقابة على استيراد المبيدات وتداولها، وتطوير قواعد البيانات، وبناء منظومات للإنذار المبكر، وتعزيز التنسيق المؤسسي، ونشر الوعي بالاستخدام الآمن للمبيدات الزراعية.
ولعل أهم ما يكشفه هذا البيان أنه، ولأول مرة، لا ينتهي عند الإعلان عن ضبط المخالفين وتحريك الدعوى الجنائية، وإنما يعلن الانتقال إلى مرحلة التخطيط لتدابير تعزز الأمن الغذائي، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في فلسفة العدالة الجنائية؛ من الاكتفاء برد الفعل إلى الإسهام في إدارة المخاطر وصناعة الوقاية. وإذا نجحت مؤسسات الدولة في تحويل نتائج هذه التحقيقات إلى سياسات عامة وتشريعات وآليات رقابية أكثر فاعلية، فإن هذه القضية لن تكون مجرد ملف جنائي، بل قد تمثل نقطة تحول في بناء سياسة وطنية متكاملة لحماية الأمن الغذائي، يكون عنوانها الوقاية قبل العقاب، وإدارة المخاطر قبل وقوع الضرر.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية