خلود الفلاح
تتحرك تجربة الشاعرة السورية فاطِما خضر في مساحة طويلة بين قسوة الذاكرة ومحاولات النجاة بالكتابة، حيث يتحول الفقد من جرح فردي إلى شهادة وجودية تدين عبثية الحروب ومعاناتها.
لم تقف نصوصها عند حدود توثيق الخراب النفسي والمادي، بل اتجهت نحو تفكيك قلق الإنسان، عندما يفقد العائلة والوطن.
بين ديوانها الأول “يبدأُ الحزنُ رحيماً” وعملها الثاني “الوراء المُرتبك”، ترسم فاطما خضر مسارا شعريا يتنقل من وطأة المأساة الجمعية إلى استكشاف الذات، بالتوازي مع اشتغالاتها في حقل الترجمة الروائية.
في هذا الحوار، تتحدث الشاعرة فاطِما خضر عن الكتابة والذاكرة، وعلاقتها بالشعر كملاذ أخير، وتحولات التجربة بين الحرب ووجع النساء والانفصال عن سلطة القارئ لحظة التشكل الإبداعي.
ـ لماذا تكتبين الشعر؟
– قفزت بسؤالك -دون أن تدري- إلى مجموعتي الشعريِّة الثالثة، التي ستصدر قريبًا، وإجابتي على سؤالك متمثِّلة في مطلع أوَّل قصيدة من المجموعة، بعنوان «المخلِّص»: «أكتب الشِّعر/لأولَدَ/أكتبه/لأنِّي أموت/لأنَّ داخلي/لوعة الحبِّ/في دواوين الشِّعر».
وأستطيع أيضًا الإجابة على سؤالك، من خلال الإهداء الذي كتبته في مجموعتي الشعريِّة الأولى «يبدأُ الحزنُ رحيمًا»: «إلى سمو الشِّعر… إلى معاليه، وهو يمسك بيدي برفق ليساعدني على النجاة».
ـ «عيني التي/ ابتلعتها الحرب/ تشهد كم نحن ضحايا/ في لعبة يلعب طرفاها/ على سبيل التسلية/
عيني بيدق خاسر/ وما بقي منِّي ينفث/ الموت البطيء».
في هذا النص «بيدق خاسر» هناك تدرج في الحزن من بعد شخصي إلى بعد جمعي (ضحايا الحرب). كيف يسهم هذا التدرج في تحويل الفقد الفردي إلى شهادة أدبية على عبثية الحرب؟
– جاءت القصيدة ضمن باب «الفقد» من «يبدأُ الحزنُ رحيمًا»، لتحكي عن تدرج الفقد الذي أورثتنا إيَّاه الحرب السورية، أو كما أفضل تسميتها «المحرقة السوريِّة». فقد يبدأ من الجسد الشخصي (العين)، ثم يتسع ليصير جسد الوطن المقرح. فقد يكشف أن الناجي من هذه الحرب محكوم بالموت البطيء. ويفضح صمود البلاد، في القصيدة نفسها، عبثية اللعبة التي لعبها طرفا الحرب، محوّولا الفقد الفردي إلى مرآة جمعية عكست سخرية الأقدار وهزيمة المنتصرين.
ـ ديوانك الثاني «الوراء المُرتبك» عنوان يوحي بالحيرة والقلق، بينما «يبدأُ الحزنُ رحيمًا» يحمل صورة أكثر هدوءًا. إلى أي مدى كان ديوانك الثاني مغامرة شعرية وخروجًا عن المنطقة التي أسستِ لها في تجربتك الأولى؟
– هما بالفعل منطقتان شعريتان وشعوريتان مختلفتان. شمل «يبدأُ الحزنُ رحيمًا» ثلاث مناطق شعوريَّة، بوِّبَت قصائد المجموعة على أساسها: الفقد، الخذلان، الحزن. أما في «الوراء المُرتبك» ذهبت إلى كتابة قصائد عن الرغبة عند المرأة. ليس فقط الرغبة الجسدية، على الرغم من وجود عدة قصائد أيروسية، وإنما الرغبة أحيانا بالهجر، بالبوح في الحب، بالتعبير عن الغضب…. وغير ذلك. وربما لخصت ما أردت قوله عبر قصائد هذه المجموعة في مقدمتها الموجزة: «هُناك… في الوراء، حيث يمكن للأنثى أن تقول كلَّ شيء عن الحب والرغبة، ما زال ذاك الوراء مرتبكًا».

ـ «نصف قلادة/ معلَّقة في جيد قلبي/ حمل لي نصفها المفقود/ مطلع أغنية بصوتك/ أزاح في ديسمبر/ كل الشتاء». تميلين في قصائدك إلى التكثيف والرمز. ماذا يمنحك ذلك؟
– التكثيف والرمز هما جوهر قصيدة النثر وروحها. إذن الفكرة ليست فيما يمنحني ذلك، وإنما بملامسة قصائدي لروح قصيدة النثر.
ـ «عندما حضت للمرَّة الأولى/ اختبأت أسفل السرير/ أعضُّ يدي لأكتم صوت بكائي/ أخبرت أمي بقلق أني قد أموت!/ وبَّختني قائلة: ستموتين لو تكلَّمت مع الرجال/ وأكَّدت قريباتنا وجاراتنا قولها».
تحضر المرأة بكل حمولاتها الوجدانية والاجتماعية في قصيدتك. كيف تقتفين أثر هذا الحضور في تجربتك الشعرية؟
– ثم عدة قصائد في المجموعتين تحمل الصوت النسوي كصرخة وجودية. فمثلًا من قصائد «يبدأُ الحزنُ رحيمًا» هناك قصيدة «رحم تخاف الضوء»، تحدثت فيها عن الأم التي تفقد طفلها الأول، ثم تعيش حياتها في قلق عدم الإنجاب مرة أخرى. وفي قصيدة «دم الخزامى» تحدثت عن الزواج القسري للقاصرات، الذي يسرق طفولتهن قبل صباهن. وكما أسلفت مجموعة «الوراء المُرتبك» حملت جميع قصائدها موضوع الرغبة عند المرأة.
أما الاقتباس الذي قدمتيه فهو من قصيدة «عشق سيء السمعة» والتي تحدثت فيها نيابة عن كثير من النسوة عن القلق الذي أورثنا إيَّاه مجتمعنا، وكبِّل حياتنا كنساء، وتبدأ بـ: «لا بدَّ أن أعترف بشجاعة/أنِّي حبيبة غير جيِّدة/فأنا قلقة دائمًا/ والقلق/ خصلة عشق سيئة السمعة».

ـ هل ترين أن الخوف والقلق اللذين يسكنان نصوصك أصبحا امتدادًا أو مرآة لما خلَّفته الحرب في بلادك من حزن وفقد؟
– جاءت قصائد «يبدأُ الحزنُ رحيمًا»، كنتيجة لما أورثتني إيَّاه الحرب السورية: الفقد، الخذلان، والحزن. لكن في قصائد «الوراء المُرتبك» تحرَّرت من جميع هذه المشاعر، وذهبت كما أسلفت إلى منطقة شعريَّة مختلفة تمامًا.
ـ إلى أي مدى يشغلك القارئ لحظة الكتابة؟
– في الواقع، لا أفكر في القارئ لحظة كتابة الشعر تحديدًا. وهذا ليس تقليلًا من شأنه، وإنما عندما تولد فكرة القصيدة، تلح علي وتأسرني وتجعلني أنفصل عن محيطي الخارجي، حتى تتجسد ككل. لحظة تجسدها، أتحرر منها، وأعود مثلي مثل أي قارئ، عبارة عن جملة خارجية، أقرأها بمعزل عن كوني من كتبها.
ـ بعد كل هذا الحديث عن الشعر والذاكرة والخوف والمرأة، من هي فاطِما بعيدًا عن القصيدة؟
– أنا فاطِما خضر. شاعرة ومترجمة وكاتبة مقال من مدينة طرطوس الساحليَّة. درست في كلية الاقتصاد (جامعة طرطوس)، واخترت اختصاص «إدارة الأعمال»، لكنِّي لم أجد نفسي في عالم الشركات والمستندات والفواتير. لذلك قرَّرت التوجُّه إلى عالم الكلمة، فاخترت العودة إلى الجامعة، واخترت دراسة الترجمة في قسم اللغة الإنكليزية في كلية الآداب (جامعة اللاذقية). ومن هُنا ابتدأت رحلتي في كتابة الشعر، ثمَّ لاحقًا المقالات، وبعد التخرج الترجمة، حيث كانت البداية مع رواية «غاتسبي العظيم» (دار الجمل/2025). وستصدر قريبا ترجمتي لرواية ثانية عن دار هاشيت أنطوان، وأعمل حاليا على ترجمة رواية جديدة لدار الرافدين. كما ستصدر قريبا مجموعتي الشعرية الثالثة «في أُنس الأشياء»، عن دار النهضة في بيروت.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية