خلود الفلاح
حين يلتقي شغف الباحث في عوالم التاريخ والآثار مع رهافة الإبداع الأدبي، يتولد نص تتجاوز حدوده الحكاية الفردية لتلامس الوجدان.
في هذا الحوار، تأخذنا الكاتبة والباحثة الجزائرية خولة حواسنية في رحلة استثنائية عبر عوالم روايتها “أفندي وبندقية وجناح أبحارية“؛ حيث تتقاطع الذاكرة الليبية بالامتداد المغاربي الأوسع، وتتداخل الأسطورة بالتاريخ، لتنسج ملحمة عشق إنساني وألم جماعي.
تحدثنا حواسنية عن فلسفة المكان في سردها، وكيف أسعفتها خلفيتها الأكاديمية كمهندسة معمارية ومتخصصة في التراث لإعادة تشكيل الجغرافيا الليبية بوعي بَصري وجمالي، فضلاً عن خوضها مغامرة تفكيك التركيبة القبلية والاجتماعية واكتشاف خبايا الذاكرة الجمعية.
الذاكرة المغاربية
حين يتأمل المرء الأدب، يدرك غالباً أنه محكوم بهاجس حفظ الذاكرة الجمعية أو ترميمها، وهنا يبرز السؤال: هل حاولتِ في هذه الرواية توثيق حقبة زمنية معينة أو رصد تحولات اجتماعية محددة مر بها المجتمع الليبي؟ تقول خولة حواسنية: إن شعلة هذه الرواية وانطلاقها ‘أفندي وبندقية وجناح أبحارية’ لا تتوقف عند حدود الذاكرة الجمعية القُطرية فحسب، بل تتجاوزها لتلامس الذاكرة المغاربية بكل اشتباكاتها وانعتاقاتها

أمام تلاقي تاريخي وثقافة واحدة تتشعب في جذور دول شمال إفريقيا، تختلف في ظواهرها وتتوحد في جوهرها، صانعةً ذلك البارادوكس العجيب الذي تتحرك فيه الثقافة بين التقارب والتباعد، كرقصة تانغو أبدية، أو ككرات تدور على شريط موبيوس الهندسي، تلتقي وتتباعد دون انقطاع في سيرورة لا تنتهي. لقد انطلقت الحكاية من عمق الأسطورة والتاريخ، من علاقة “قورينا” بـ “أبولو”، ومن وشائج المعمار والروح بين معبد شحات (سيريني) ومادور (مداوروش) الأثرية وامتداداتها في أقصى الشرق الجزائري. من هناك، يتصاعد السديم الروحي لتغدو القصة جزائرية-ليبية بامتياز، تتجاذب فيها أزمنة الماضي البعيد مع حمى الحاضر، وإرادة القدر الذي رتب ملحمة عشق بين باحثة جزائرية وجندي خاض أهوال الحرب تحت شعلة “أفندي وبندقية وجناح أبحارية”.
وحين تشتعل الحكاية، تتجلى حقيقتان للألم: ألم فردي عميق عصفت رياحه بروحي البطلين، وألم جماعي امتد ليكون وجع بلد هو بلدنا جميعاً.
إعادة تشكيل المكان
لكن هذا الاشتغال السردي يجرنا مباشرة إلى تساؤل آخر: كيف تعاملتِ مع تفاصيل الجغرافيا الليبية في الرواية؟ فكان ردها:
وهنا يتكشف أن الجغرافيا في هذا النص ليست ديكوراً خلفياً أو مسرح أحداث فقط، بل كائن ينبض بالذاكرة ويختزن في طبقاته ترسبات التاريخ وجراح التحولات. ولعل خلفيتي الأكاديمية كمهندسة معمارية متخصصة في الآثار والتراث تتسلل دائماً لتلقي بظلالها على عقلية الكتابة، فشخصية المهندسة في الداخل تجعل من عملية انتزاع المكان وإعادة تشكيله وتحويله إلى مخطط طوبوغرافي ناطق على الورق موهبةً مكتسبة، أستطيع من خلالها إعادة رسم المساحات بالكلمات كما يُقتفى أثر خطوط المعمار على المخططات الرسمية.
وتتابع: ” يُضاف إلى ذلك واقعٌ متجذر، وهو أن جغرافيا ليبيا بثقلها التاريخي وأبعادها الصحراوية والبحرية أشهر من نار على علم، حاضرة بوضوح في الوجدان العربي والمغاربي. وهذان العاملان تحديداً، الرؤية المعمارية التراثية وشهرة المكان، جعلا من بناء الفضاء الروائي أمراً سالكاً وسلساً بالنسبة لي”.

الخصوصية الليبية
وتلفت حواسنية: كان بعض الأدباء يضطرون للسفر يميناً وشمالاً للانتعاش بروح المكان والتمكن من عملية التقمّص كتابياً، فإن القدر هنا أتى بالمكان طوعاً عبر نسجٍ إنساني، من خلال أصدقاء ومعارف ليبيين، وبدفعٍ من شخص عزيز غرس روح إلحاح الكتابة. وهكذا، غدت العملية السردية تفكيكاً واستعادةً ميكروسكوبية للخصوصية الليبية، صيغت بأسلوب يتيح للقارئ العربي الولوج إلى عوالم النص بيسر وسلاسة، دون أن تفقد الجغرافيا جلالها أو تتخلى الهوية المحلية عن عبقها النادر.
وتعترف خولة حواسنية ربما كان التحدي الأكبر والأكثر إثارة للفضول المعرفي هو الغوص في تحليل التركيبة القبلية في ليبيا، تاريخ هذه القبائل، وشعرها الشفهي، وقصصها المضفرة بالبطولة والشجن. ولكن، بالمفهوم الإبداعي، لم تكن تلك المعرفة صعوبة بالمعنى السلبي للكلمة، بل كانت متعة استثنائية، وشهية اكتشاف لشغاف بُعد آخر جديد كلياً، بُعد ينبض بغنىً ثقافي واجتماعي يختزن في طياته ألف رواية ورواية، ويستحق من الكاتب أن يقف أمامه بخشوع.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية