منصة الصباح
عيد العمال في ليبيا… بين رمزية المناسبة وأسئلة الواقع

عيد العمال في ليبيا… بين رمزية المناسبة وأسئلة الواقع

تقرير | طارق بريدعة

يحلّ عيد العمال في الأول من مايو من كل عام مناسبةً عالمية لتكريم العمل والعمال، غير أن حضوره في ليبيا يرتبط غالبًا بالعطلة الرسمية أكثر من ارتباطه بفتح نقاش جاد حول أوضاع سوق العمل وقيمة الإنتاج. ففي هذا اليوم تتوقف المؤسسات، وتُتبادل التهاني، بينما تبقى الأسئلة الأساسية حول واقع العمال دون إجابات واضحة.

جذور تنظيم العمل في ليبيا

بدأ تنظيم قطاع العمل في ليبيا بشكل مؤسسي عقب الاستقلال عام 1951، مع إنشاء هياكل إدارية في الأقاليم الثلاثة. وفي عام 1952 انضمت ليبيا إلى منظمة العمل الدولية، في خطوة مهمة نحو الاندماج في المنظومة العمالية العالمية. وشهد عام 1962 صدور أول قانون ينظم علاقات العمل، قبل أن يتطور الإطار التشريعي لاحقًا ليشمل قوانين تنظم ساعات العمل والحقوق الأساسية.

ورغم هذا التطور التشريعي المبكر، لا تزال تحديات سوق العمل قائمة حتى اليوم.

سوق العمل… أرقام كبيرة وإنتاج محدود
سوق العمل… أرقام كبيرة

تعكس المؤشرات المتاحة مفارقات واضحة في سوق العمل الليبي، حيث يهيمن القطاع العام على التوظيف بنسبة تتجاوز 70%، مع تقديرات تشير إلى ما بين 2.2 و2.9 مليون موظف، بحسب تقديرات رسمية وغير رسمية، مقابل قطاع خاص محدود لا يستوعب سوى مئات الآلاف.

في المقابل، تُقدّر العمالة الوافدة بأكثر من مليوني عامل، ما يعكس اعتمادا واسعا على اليد العاملة الأجنبية، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات.

ورغم أن قطاعات مثل التعليم والصحة والأمن تُعد من أكبر المشغّلين، فإن هذا التضخم الوظيفي لا ينعكس بالضرورة على مستوى الإنتاجية أو جودة الخدمات، في ظل حديث متكرر عن اختلال توزيع الكفاءات وتضخم الجهاز الإداري.

وهي مفارقة تختصر واقع سوق العمل: وظائف كثيرة… وإنتاج محدود.

تحديات معيشية وحقوق ناقصة

يواجه العمال في ليبيا، خصوصًا في القطاع الخاص والعمالة الوافدة، تحديات متعددة، من بينها تدني الأجور، وضعف الحماية النقابية، وغياب التأمين الصحي في كثير من الحالات. كما تعاني بعض الشركات من صعوبات مالية أدت إلى تأخر صرف الرواتب، في وقت تُسجّل فيه معدلات بطالة مرتفعة نسبيا، مع فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.

شهادات من الواقع
نصرالدين الكموشي، رئيس قسم التفتيش بإدارة العمل والسلامة المهنية

في مداخلة خصّ بها منصة “الصباح”، أكد نصرالدين الكموشي، رئيس قسم التفتيش بإدارة العمل والسلامة المهنية بوزارة العمل، أن منظومة السلامة العمالية في ليبيا لا تزال تستند إلى القانون رقم (93) لسنة 1976، ورغم قدمه فإنه ما يزال يشكل إطارًا قانونيًا يُعمل به في مجالي السلامة والصحة المهنية داخل المؤسسات العامة والخاصة.

وأوضح أن قسم التفتيش والسلامة المهنية يتولى تنفيذ جولات تفتيش دورية على مواقع العمل، بما في ذلك المصانع ومحطات الوقود وغيرها من الأماكن التي تضم عمالة، إلى جانب إعداد إحصائيات خاصة بإصابات العمل وفقًا لما ينص عليه القانون.

وشدد على أهمية التبليغ الفوري عن إصابات العمل من قبل جهات العمل، بما يضمن اتخاذ الإجراءات الأولية لحماية العمال، وتقديم الإسعافات اللازمة، وتوفير بيئة مناسبة للعلاج.

وأشار الكموشي إلى أن مسؤولية توفير بيئة عمل آمنة تقع بالدرجة الأولى على عاتق جهة العمل، بما يشمل توفير معدات السلامة اللازمة للعاملين.

كما لفت إلى تشكيل لجنة للاحتفال باليوم العالمي للعمال، موضحًا أن احتفالية هذا العام ستقام في مدينة الخمس، وستكون مناسبة للاستماع إلى مطالب العمال ومشاكلهم.

وفي ختام مداخلته، دعا الكموشي مختلف جهات العمل، العامة والخاصة، إلى ضرورة الالتزام بتشريعات العمل والسلامة المهنية، لما لذلك من دور في حماية العاملين من المخاطر، وتعزيز الإنتاجية، وتحفيز العمال على العطاء.

تعكس تجارب بعض العاملين صورة أكثر وضوحا عن هذه التحديات.

تقول أحلام، وهي موظفة في شركة خدمات وتموين خاصة متعاقدة مع إحدى المؤسسات العامة، إنها تعمل منذ سنوات بشكل يومي، بما في ذلك يوم السبت، مقابل مرتب زهيد، دون عقد عمل يضمن حقوقها. وتضيف أن إدارة الشركة ترفض منح الموظفين مزايا أو امتيازات أسوة بشركات أخرى، ما يجعلهم في وضع وظيفي غير مستقر، وتطرح تساؤلًا“كيف يمكن أن نستمر دون أي أمان وظيفي؟”.

من جانبه، يقول رامي، وهو خريج جامعي، إنه لا يزال ينتظر فرصة للعمل أو التعيين، لكنه يخشى من تجربة شقيقه الذي تم تعيينه منذ سنوات دون أن يتقاضى راتبه حتى الآن، بسبب تأخر ما يُعرف بالإفراجات المالية، ما يعكس حالة من عدم اليقين لدى فئة الشباب تجاه مستقبلهم المهني.

أما عبدالسلام الفرجاني، الموظف في قطاع الكهرباء، فيشير إلى أن العاملين في القطاع يتقاضون مرتباتهم “بالتقسيط” منذ نحو عامين، مع توقف صرف الإضافي والمزايا، رغم طبيعة العمل الخطرة، متسائلًا: “أين حقوقنا في يوم العمال، ونحن نعمل في ظروف صعبة دون مقابل عادل؟.

رأي..مفارقة الاحتفال وغياب العمل
الدكتور علي عاشور

في هذا السياق، يرى الدكتور علي عاشور أن عيد العمال في ليبيا تحوّل إلى مناسبة يغلب عليها الطابع الشكلي، حيث تقتصر على العطلة والتهاني، دون أن تشكّل محطة حقيقية لتقييم واقع العمل والإنتاج.

ويشير إلى أن سوق العمل يعتمد بشكل لافت على العمالة الأجنبية في عدد من المهن الأساسية، مقابل عزوف شريحة من الشباب الليبي عن الأعمال اليدوية، واتجاههم نحو الوظائف الإدارية أو انتظار التوظيف في القطاع العام.

كما يلفت إلى تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية، معتبرًا أن “العامل الحقيقي لا يعرف العطلة”، في إشارة إلى الفجوة بين رمزية المناسبة وواقع العمل اليومي.

ويخلص إلى أن هذه المناسبة تعكس مفارقة واضحة بين الاحتفال وغياب ثقافة العمل، ما يستدعي مراجعة جادة لقيم الإنتاج والانخراط الفعلي في سوق العمل.

ويبقى عيد العمال في ليبيا مناسبة ذات دلالة رمزية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول واقع العمل، من تضخم القطاع العام إلى ضعف الإنتاجية والاعتماد على العمالة الأجنبية.

وبين مظاهر الاحتفال والواقع اليومي، يبرز سؤال جوهري: هل سيظل عيد العمال مجرد عطلة سنوية، أم يتحول إلى محطة حقيقية لمراجعة معنى العمل واستعادة قيمته في مجتمع يواجه مفارقة العمل دون إنتاج؟

شاهد أيضاً

الإمارات تنسحب من “أوبك” وتحالف “أوبك بلس”

الإمارات تنسحب من “أوبك” وتحالف “أوبك بلس”

الصباح/ وكالات أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم الثلاثاء، انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط …