الصباح /حنان علي كابو
تأتي قريبا رواية «آدم» للروائي “صلاح إنقاب” عن “ببلومانيا للنشر والتوزيع”، لتضع طفلاً في العاشرة من عمره أمام عالم لم يختر فيه شيئا: لا مكان ولادته، ولا لون بشرته، ولا الحرب التي اقتلعته من قريته، ولا الحدود التي جعلت من عبوره رحلة طويلة نحو أخيه الغائب.
تبدأ الحكاية عام “2009”، حين تحترق قرية آدم الدينكاوية في جنوب السودان، ولا يبقى له من العالم سوى شقيقه “سانتينو”، الذي يعده عند الفجر: «من الآن، أنا وأنت فقط، سأوصلك، أعدك»..
يعْبرُ الشقيقان الصحراء نحو ليبيا، قبل أن تنقطع يد “سانتينو” عنه في ليلة مطاردة، ويسقط من الشاحنة في الظلام..
يكبر “آدم” وحيدًا بين ورش الزاوية وطرابلس، باحثا عن أخيه، ومواجها واقعا يتحول فيه لون بشرته إلى اسم يسبقه، فيصبح البحث عن “سانتينو” بحثا آخر عن مكان يستطيع فيه أن يكون آدم قبل أي شيء آخر..
الهجرة.. الإنسان قبل الورقة
تضع الرواية الهجرة في قلب أسئلتها، باعتبارها تجربة إنسانية. ويرى “إنقاب” أن الإنسان «كائن مهاجر بطبعه»، وأن العالم الحديث حاصره في بطاقة هوية أو جواز سفر، حتى باتت قيمة الإنسان أحيانا مرتبطة بما تقوله تلك الورقة عنه..
ومن خلال “آدم”، يتوقف الروائي عند أشياء لا يختارها الإنسان: مكان الميلاد، واللغة، والقبيلة، والدين ولون البشرة، وصولا إلى السؤال الذي اختارته الرواية عنوانا: «هل الجريمة أن نولد، أم أن العالم هو من يجرّم بعض الولادات دون غيرها؟»..
السودان بداية.. وليبيا قلب الحكاية
وعلى الرغم من أن الرواية تبدأ من جنوب السودان، يؤكد “إنقاب” أنها لا تتصل مباشرة بأحداث السودان الحالية؛ فالسودان هو نقطة البداية، بينما تبدأ الحكاية الحقيقية حين يعبر “آدم” الحدود ويصبح موضوعا لنظرة الآخر إليه.
ومن هنا تنفتح الرواية على إشكالية العلاقة مع الآخر في المجتمع الليبي، وعلى النظرة التي اختزلت القادمين من وراء الصحراء في لونهم ومكان قدومهم، بينما لم تكن الصحراء نفسها يوما حدًا فاصلا، بل طريقا مشى عليه الأجداد..
وتستعيد الرواية هذه المسألة من خلال شخصيات أخرى؛ فصبي سوداني ولد في ليبيا يقول لآدم: «أنا ليبي مثلهم، ولدت هنا، لكنهم لا يرونني كذلك»، فيما تستعيد تجربة الليبي داكن البشرة الذي لم تشفع له جنسيته حين صار لون الجلد وحده تهمة في أيام “2011”..
وجوه أخرى للنجاة
لا يترك “إنقاب” الحكاية أسيرة القسوة، بل يفتح داخلها مساحات للإنسانية؛ ف”الحاج محمد” يخاطر بنفسه ليخفي طفلا مسيحيا تحت سيارة معطوبة، و”فرج” ينتبه متأخرا إلى أن مزحته اليومية كانت جرحا، فيقرر أن ينادي آدم باسمه..
بهذه التفاصيل، تتحول «آدم» من حكاية طفل يبحث عن أخيه إلى محاولة لمراجعة صورة الآخر، وكشف معاناة الأفارقة في ليبيا، واستعادة ما يمكن استعادته من إنسانية المجتمع..
«فلا يمكن أن نشفى من شيء نرفض أن نراه»، يقول “إنقاب”، في رواية تضع الهجرة والهوية واللون والانتماء في مواجهة سؤال واحد: ماذا لو كان المكان الذي ولدتَ فيه هو أول تهمة توجه إليك؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية