منصة الصباح

بن جواد.. «الحصن الأخير» على الطريق الروماني

طارق السنوسي

لم يكن الطريق الساحلي الذي يربط طرابلس ببرقة في العصر الروماني مجرد ممر تعبره القوافل والجيوش، بل كان شريانًا استراتيجيًا يضم شبكة متكاملة من الحصون، ومحطات البريد، ونقاط الاستراحة، والمرافئ الصغيرة التي ضمنت استمرار حركة السفر والتجارة والاتصالات عبر واحدة من أكثر مناطق شمال أفريقيا قسوة.

صورة الكاتب الصحفي طارق السنوسي
كاتب وصحفي، متخصص، في الآثار والسياحة، طارق السنوسي

اكتشاف يعيد قراءة التاريخ

واليوم، يعيد الاكتشاف الأثري الأخير لمقبرة في منطقة بن جواد تسليط الضوء على هذه المنطقة، ويفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخها بوصفها إحدى أهم محطات الطريق الروماني على امتداد خليج سرت.
ويمثل خليج سرت، الذي كان يشكل حلقة الوصل بين إقليمي (تريبوليتانيا) و(سرتيكا) ثم برقة، أحد أهم الممرات البرية في ليبيا القديمة. ورغم طبيعته شبه الصحراوية وقلة مصادر المياه، فقد نجح الرومان في إنشاء منظومة متكاملة لتأمين الحركة عبره، شملت حصونًا عسكرية، ومحطات لتبديل الخيل، ونقاطًا لتزويد القوافل بالمؤن والمياه، إلى جانب مرافئ صغيرة تخدم الملاحة الساحلية.

آثار مكتشفة في مقبرة بمنطقة بن جواد
آثار مكتشفة حديثاً داخل مقبرة في الطريق الساحلي منطقة بن جواد

آثار مغمورة على امتداد الساحل

وتنتشر على امتداد الخليج عشرات المواقع الأثرية التي ما تزال شواهدها قائمة، أو تنتظر الكشف عنها، ومن بينها بوقرادة ) بوريوم) أو راس (تاوينس)، و(أنبيكوس)، و(شيراكس)، وبويرات الحسون، فضلًا عن مواقع أخرى غمرتها مياه البحر عبر القرون.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن نحو ربع الآثار الغارقة على الساحل الليبي تقع على امتداد خليج سرت، ضمن أكثر من مائة موقع أثري مغمور بالمياه، تتنوع بين موانئ، ومرافئ تحميل، وقرى ساحلية، وحصون، ومحطات استراحة، طمرتها التغيرات الجيولوجية والزلازل التي شهدها حوض البحر المتوسط في فترات تاريخية متعاقبة.

“حصن زاكازاما”

وفي قلب هذه المنظومة تبرز بن جواد، التي لم تكن مجرد نقطة عبور، بل محطة استراتيجية ورد ذكرها في المصادر الرومانية بأكثر من اسم.
فقد عرفت المنطقة باسم Zacazama، ووردت أيضًا بصيغ مختلفة مثل Sacazama وZagazaena، كما ورد اسم Zacasama Praesidium، أي “حصن زاكازاما”، وهو ما يعكس طبيعتها العسكرية ودورها في حماية الطريق الساحلي ومراقبة حركة المسافرين والقوافل.
وتظهر Zacazama في اثنين من أهم مصادر الطرق الرومانية، وهما Tabula Peutingeriana، وهي خريطة رومانية للطرق تعود أصولها إلى القرنين الثالث أو الرابع الميلادي، وItinerarium Antonini، وهو دليل رسمي يبين محطات الطريق والمسافات بينها.

محطة وبريد وحصن عسكري

وتضع هذه المصادر زاكازاما ضمن سلسلة المحطات الممتدة بين Macomades (العقيلة)، وCharax، وBoreum، مما يؤكد أنها كانت إحدى المحطات الرسمية الواقعة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس وبرقة

ويرى عدد من الباحثين أنها كانت تؤدي وظيفة Mansio، أي محطة استراحة وبريد رسمية، وربما جمعت في الوقت نفسه وظيفة Praesidium، أي حصن عسكري، وهو ما كان مألوفًا في المناطق البعيدة التي تتطلب توفير الحماية والخدمات للمسافرين والقوافل العسكرية.

صورة لجزء من مخطوطة أو خريطة تاريخية ملونة يدويًا، تُظهر تضاريس وأنهارًا ومدنًا وقلاعًا مرسومة بأسلوب الخرائط الأوروبية في العصور الوسطى. تتضمن أسماء مواقع مكتوبة باللاتينية، مع استخدام ألوان مختلفة لتمييز المناطق الجغرافية والحدود.
خريطة تاريخية ومخطوط بالكتابة اللاتينية لمدن وصوت وطرق قديمة

عند آخر الحصن

إلى جانب زاكازاما، تشير الدراسات إلى موقع آخر في المنطقة يحمل الاسم اللاتيني Aubereo – Ad Capsum Ultimum، ويُرجح أنه كان يقع قبالة الشريط الساحلي الممتد بين بن جواد ومرسى العويجة.
ويعني الاسم، وفق أحد التفسيرات، “عند آخر الحصن” أو “عند آخر موقع محصن”، وهي دلالة تنسجم مع موقعه على أطراف القطاع الصحراوي من الطريق الساحلي، حيث كانت تنتهي سلسلة المواقع المحصنة قبل دخول المسافرين إلى مناطق أقل عمرانًا وأكثر صعوبة.

عقدة مواصلات برية وبحرية

وتشير قاعدة بيانات Geodatabase of Ancient Ports and Harbours إلى أن موقع Zacazama يرجح أنه كان مقابل مصب وادي بن جواد وشرقي الرأس الأحمر، بينما يقع Aubereo – Ad Capsum Ultimum قبالة السواحل الممتدة بين بن جواد ومرسى العويجة، وهو ما يعزز أهمية المنطقة باعتبارها عقدة مواصلات برية وبحرية في آن واحد.
ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على قيمتها الأثرية، بل تمتد إلى دورها في إعادة رسم شبكة الطرق الرومانية في ليبيا، وفهم أنظمة البريد والإمداد العسكري، وآليات التنقل عبر الصحراء والساحل، كما تسهم في إعادة إبراز الدور التاريخي الذي لعبته بن جواد في ربط أقاليم ليبيا القديمة.

فرصة للبحث والاكتشاف

ولعل الاكتشافات الأثرية المتتالية في المنطقة تمثل فرصة حقيقية لإطلاق مشروع بحثي متكامل يجمع بين المسوحات البرية والبحرية، وتقنيات الاستشعار عن بعد، والغوص الأثري، بما يسهم في الكشف عن المزيد من الشواهد التي ما تزال مدفونة تحت الرمال أو مغمورة تحت مياه الخليج.
فربما لا تكون بن جواد مجرد محطة على طريق روماني قديم، بل مفتاحًا لفهم فصل مهم من تاريخ الحركة والتجارة والاتصالات في ليبيا، عندما كان الطريق الساحلي أحد أهم شرايين الإمبراطورية الرومانية في شمال أفريقيا.

شاهد أيضاً

واجهة مبنى قديم تابع لمراقبة آثار توكرة تظهر عليها آثار التهالك والتشققات، وأمامها تمثال أثري في ساحة خارجية، في مشهد يعكس التحديات التي تواجه المؤسسة المسؤولة عن حماية التراث الأثري بالمدينة.

مبنى مراقبة آثار توكرة .. إرثٍ حضاري وتحديات صعبة

إعداد / مني عريبي على امتداد الساحل الشرقي لليبيا، حيث تلتقي ذاكرة التاريخ بزرقة البحر …