إعداد / منى عريبي
لم تعد المبيدات الزراعية المحظورة والمنتهية الصلاحية مجرد مخالفة للقوانين المنظمة للنشاط الزراعي، بل تحولت إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه الأمن الغذائي والصحة العامة والبيئة.
فبينما تمثل المبيدات وسيلة لحماية المحاصيل من الآفات، فإن تداول الأنواع المحظورة أو الفاسدة يحولها إلى مصدر للتلوث والتسمم، ويجعل الغذاء الذي يصل إلى موائد المواطنين عرضة لمخاطر قد تمتد آثارها لسنوات.
وتأتي هذه القضية إلى الواجهة في أعقاب ما كشفته تحقيقات النيابة العامة من ضبط مبيدات زراعية محظورة ومتداولة داخل الأسواق الليبية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول كفاءة منظومة الرقابة، ومدى الالتزام بالتشريعات المنظمة لاستيراد وتداول واستخدام المبيدات الزراعية.
مخاطر صحية وبيئية
وفقًا لتقييمات منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، حُظر أو قُيّد استخدام عشرات المبيدات بعد ثبوت ارتباطها بأضرار صحية وبيئية جسيمة، من بينها زيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان، واضطرابات الجهاز العصبي، والعقم، والتشوهات الخلقية، واختلال عمل الغدد الصماء، فضلًا عن قدرتها على التراكم داخل السلسلة الغذائية والبقاء في التربة والمياه لفترات طويلة.
ومن أبرز هذه المبيدات: DDT، ألدرين، ديلدرين، إندرين، كلوردان، هيبتاكلور، إندوسلفان، باراثيون، ميثيل باراثيون، مونوكروتوفوس، ميثاميدوفوس، وكاربوفيوران، إلى جانب باراكوات (Paraquat) الذي حظرته دول عديدة أو قيدت استخدامه بسبب سميته العالية.
ولا تقل المبيدات المنتهية الصلاحية خطورة عن المحظورة، إذ قد تتحلل مكوناتها الكيميائية إلى مركبات أكثر سمية، أو تفقد فعاليتها، مما يدفع إلى الإفراط في استخدامها، ويؤدي إلى زيادة متبقيات المبيدات في المنتجات الزراعية، وتلوث التربة والمياه، والإضرار بالإنسان والحيوان.
التشريعات الليبية
وضعت ليبيا إطارًا قانونيًا ينظم تداول المبيدات الزراعية، من خلال قرار رقم (176) لسنة 1989 بشأن لائحة المبيدات الكيماوية، وقرار وزير الزراعة رقم (94) لسنة 2012 بشأن تنظيم وتداول المبيدات الزراعية، إضافة إلى قرار وزير الاقتصاد والتجارة رقم (362) لسنة 2024 بشأن تنظيم نشاط تجارة المبيدات الزراعية والصحة العامة.
وتحظر هذه التشريعات استيراد أو بيع أو تداول المبيدات غير المسجلة أو المحظورة أو المنتهية الصلاحية، كما تمنح الجهات المختصة صلاحيات الضبط والمصادرة وإغلاق المحال المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين.
تشريعات أكثر صرامة
وفي تصريح خاص لـالصباح، أكد الدكتور مجدي الشيباني مستشار قانوني، أن ما كشفت عنه تحقيقات النيابة العامة بشأن وجود مبيدات زراعية محظورة ومتداولة في الأسواق يمثل مؤشرًا خطيرًا يستوجب مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية والرقابية، مشددًا على أن حماية الأمن الغذائي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الجهات التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية.
وأوضح أن التشريعات الحالية، رغم أهميتها، تحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة تطور الجرائم المرتبطة بالمواد الكيميائية الخطرة، مع تشديد العقوبات بحق كل من يستورد أو يتداول أو يستخدم المبيدات المحظورة أو المنتهية الصلاحية، لما تمثله من تهديد مباشر لصحة الإنسان والبيئة والاقتصاد الزراعي.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تستوجب إنشاء منظومة رقابية أكثر كفاءة تعتمد على التفتيش الدوري، وتتبع حركة المبيدات منذ دخولها البلاد وحتى استخدامها في الحقول، إلى جانب تطوير المختبرات المتخصصة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يضمن سرعة اكتشاف المخالفات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق أحكام القانون.
وأكد أن الأمن الغذائي يعد جزءًا أصيلًا من الأمن الوطني، وأن الحفاظ عليه يتطلب تطبيق القانون بحزم، ونشر ثقافة الالتزام بالمعايير الصحية والبيئية، لضمان وصول غذاء آمن إلى المستهلك، وحماية الموارد الطبيعية من التلوث.
مسؤولية مشتركة
ويرى الدكتور مجدي أن التصدي لخطر المبيدات المحظورة لا يقتصر على سن القوانين، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل الرقابة الفاعلة على المنافذ الحدودية، وتكثيف حملات التفتيش على الأسواق والمخازن، وإجراء الفحوصات المخبرية الدورية للمنتجات الزراعية، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى المزارعين والمستهلكين بمخاطر استخدام المبيدات غير المطابقة للمواصفات.
وفي ظل التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، يبقى الالتزام بالتشريعات، وتشديد الرقابة، والتخلص الآمن من المبيدات المحظورة والمنتهية الصلاحية، من أهم ركائز حماية الأمن الغذائي وصون صحة المواطنين والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية