ليبيا لم تكن يومًا أرضا خالية من القدرة بل كانت أرضا أُرهقت بالظروف وتناوبت عليها قسوة الطبيعة وقسوة الإنسان فمرت بحروب واستعمار ومجاعات وأوبئة ونزوح داخلي وهجرات متداخلة وكانت تحت وطأة الاستعمار الإيطالي في زمن الاحتلال الإيطالي لليبيا الذي اقترن بسياسات قمعية مرتبطة بنظام الفاشية الإيطالية بقيادة بينيتو موسوليني حيث اجتمع القهر السياسي مع الاستغلال الاقتصادي فبنيت البنية التحتية من طرق وسكك وموانئ ومزارع بجهد الليبيين وتحت ظروف قاسية كثيرًا ما اقتربت من السخرة ورغم كل ذلك لم يكن هذا البناء موجهًا لرفاه الإنسان الليبي بقدر ما كان لخدمة مشروع استيطاني استعماري ومع ذلك فإن الحياة لا تتوقف إنما تتكيّف، فخلق الإنسان الليبي مسارات بقاء من الفقر والأمية والمرض واستمر عبر التعلم بالمحاولة والخبرة والتوارث الاجتماعي للمعرفة في بيئة كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات المنظمة، ومع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات بدأت ملامح تحول مهم مع الدعم القادم من مصر التي ساهمت في التعليم والمناهج والكوادر الطبية والإدارية قبل وبعد الاستقلال، ثم جاء اكتشاف النفط ليشكل نقطة انعطاف حقيقية حيث توفرت موارد لم تكن متاحة سابقًا وبدأت الدولة الحديثة في التشكل تدريجيًا، وارتفعت مؤشرات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ولو بشكل متدرج وبسيط في البداية ثم توسع لاحقًا مع استعادة الليبيين لملكياتهم وأنشطتهم الاقتصادية، وتكامل الدعم الخارجي مع الموارد الداخلية فتغيرت حياة الناس وتحسن الوصول إلى التعليم والعلاج واتسعت مظلة العدالة الاجتماعية نسبيًا، لكن السؤال الذي نطرحه اليوم ليس عن الماضي بقدر ما هو عن الحاضر ومعناه لأن المقارنة الصادمة ليست بين زمن الاستعمار وزمن الاستقلال هي بين الإمكانات المتاحة اليوم والنتائج المتحققة فعليا، فكيف لدولة تملك موردًا سياديًا كالنفظ أن تتراجع فيها مؤشرات التعليم والصحة، وأن يتسلل الفقر إلى شرائح واسعة وأن تتآكل العدالة الاجتماعية حتى تبدو وكأنها ذكرى بعيدة، هنا لا يعود السؤال ماذا لو لم يكن النفط أو ماذا لو لم تأتي المساعدات، السؤال هنا ماذا فعلنا بما كان لدينا ولماذا لم يتحول المورد إلى نظام ولماذا لم تُترجم الفرصة إلى استدامة ولو أخذنا السؤال الافتراضي بجدية فإن الإجابة تقود إلى حقيقة قاسية ولكنها ضرورية للفهم لو لم تكن هناك مساعدات تعليمية وطبية مبكرة ولو لم يُكتشف النفط لكانت ليبيا قد سلكت أحد مسارين إما مسار الاعتماد الكامل على الذات بوتيرة بطيئة جدًا مع استمرار الفقر لفترة أطول ولكن مع احتمال بناء نماذج محلية أكثر صلابة واعتمادًا على الموارد المحدودة وإما مسار الانكشاف الكامل على الهشاشة حيث تبقى الأمية والمرض والفقر لعقود أطول دون قدرة على القفز النوعي وكلا المسارين يؤكدان أن المورد وحده لا يصنع التنمية كما أن غيابه لا يمنعها تمامًا بل يبطئها ويُصعبها، الدرس الأهم أن النفط لم يكن ضمانًا للتقدم بل فرصة له وأن المساعدات لم تكن بديلًا عن بناء الذات هي جسرًا مؤقتًا نحوها، وأن أي دولة لا تُحول مواردها إلى مؤسسات ولا تُحول التعليم إلى منظومة مستدامة ولا تُحول الصحة إلى حق فعلي شامل فإنها تعود تدريجيًا إلى ما يشبه نقطة البداية مهما امتلكت من ثروات، لأن التنمية ليست حدثًا هي نظام وليست إنفاقًا بل إدارة وموارد وقدرة على تحويل الموارد إلى أثر مستمر في حياة الناس، ما نراه اليوم من تراجع ليس قدرًا محتومًا هو نتيجة مسار يمكن تغييره إذا أُعيدت صياغة الأولويات على أساس أن التعليم والصحة أساس الدولة وأن العدالة الاجتماعية ليست نتيجة تلقائية للثروة إنما هي ثمرة سياسات واعية، وأن التاريخ ليس فقط ما حدث هو ما نتعلمه منه ، فإذا كان الماضي قد علّم الليبيين كيف يعيشون في أقسى الظروف، فإن الحاضر يجب أن يدفعهم إلى أن يسألوا كيف يمكن أن يعيشوا كما يليق بإمكاناتهم لا كما تفرضه اختلالاتهم، لأن السؤال الحقيقي ليس ماذا لو لم يكن لدينا نفط إنما ماذا لو أحسنّا استخدامه ، وهنا يتحول السؤال من افتراضي إلى أخلاقي وعملي في آن واحد كيف نعيد بناء معنى الدولة بحيث لا تعتمد على الصدفة ولا على الهبات بل على نظام يضمن أن لا تعود البلاد إلى دائرة الفقر والمرض مهما تغيرت الظروف، لأن الأمم لا تُقاس بما مرت به من مآس إنما تقاس بما تفعله بعد أن تمتلك الفرصة للخروج منها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية