منصة الصباح
جمعة بوكليب

مقهي الزُهور

جمعة بوكليب

زايد ..ناقص

الزهورُ أرواحٌ جميلة ونبيلة؛ بعضها معروفٌ لنا ومرئيّ، وبعضها لا نعرفه ولا نراه. وجودها في عالمنا الأرضي ليس حكراً على البساتين والحدائق، وفوح عبيرها يطير بلا أجنحة في الأجواء بحثاً عن قلوب عامرة بالحب والخير والجمال. أحياناً، قد يطيب للزهور الاستقرار تحت أسقف بيوتٍ، أو محال تجارية أو مقاهٍ؛ إلا أنها تجد في مقهى صغير في طرابلس يحمل اسمها ما لذّ وطاب لها من الرعاية والدفء والحب بلا حساب.

في طريقي صباحاً من بيتنا في منطقة الظهرة قاصداً ملاعب الطفولة والصبا في المدينة القديمة، مروراً بحدائق “قصر الخلد العامر” وقبته الذهبية المتلألئة تحت أشعة الشمس، يقع ذلك المقهى صغير الحجم، رحيب القلب، في ركنٍ من أركان شارع الاستقلال. عرفتُ المقهى حين انتقلنا للسكنى في الظهرة، وكنت شابا غرّا وصرتُ منذ ذلك الوقت من رواده. كلما جئتُ المحروسة طرابلس زائرًا بعد غياب، أبدأ صباحاتي باحتساء فنجان قهوتي في ذلك المقهى الحميم.

للقهوة في مقهى الزهور رائحة ومذاق القهوة، في وقت لم يعد فيه للقهوة مذاق فيما انتشر في المدينة من مقاهِ. وللودّ بين العاملين فيه ورواده رائحة ومذاق الودّ في زمن قلّ فيه الود بين الناس حدّ الندرة، كما للزمن فيه رائحة ومذاق التاريخ؛ يتذوقه بحسرةٍ أولئك الذين أُتيحت لهم فرصة العيش في طرابلس في سنوات قديمة مضت، حين كانت تُوصف بعروس البحر المتوسط، وكانوا هم يرتادون ذلك المقهى في عهده القديم تحت رعاية وعناية المرحوم الأب الذي بذر الود في أرجائه، وصاروا حاليا يرتادونه في رعاية وعناية الابن الذي تولى من بعده، بحبٍ وحنوٍّ، سقي تلك البذور بماء الوفاء.

بالنسبة لي، مقهى الزهور ليس مساحة صغيرة لاحتساء فنجان قهوة صباحي وتذوق عذوبة مرارة مذاقه، بل فرصةٌ تُتاح أمامي كي أهزّ إليَّ بجذع شجرة ليسّاقط عليَّ تمر من ذكرياتٍ تبقّى صداها عالقاً في فضاء المقهى وقلبي.

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

شَرُّ البَلِيَّةِ ما يُضْحِكُ

باختصار يبدو أن مجلس النواب في بلادنا قد حل أخيرا جميع مشاكل ومعضلات ليبيا، ولم …