منصة الصباح
د.عبد الله محمد أطبيقه
الدكتور عبدالله محمد أطبيقه قسم الإعلام جامعة سرت

وهم التحول الرقمي في الجامعات الليبية: بين الرقمنة الشكليّة والتحديات المستقبلية

تتردد في أروقة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الليبية مصطلحات براقة مثل التحول الرقمي، الجامعة الذكية، وإدارة التعلم الإلكتروني ، ورغم إعلان العديد من الجامعات عن إطلاق منصات رقمية وحسابات إلكترونية للطلاب، إلا أن الواقع الأكاديمي والعملي يفرز تبايناً حاداً بين الشعارات المرفوعة والبيئة التعليمية الفعلية..

إن التحول الرقمي الحقيقي ليس مجرد إنشاء موقع إلكتروني، أو رفع ملفات بتنسيق (PDF) على المنصات، بل هو إعادة هيكلة شاملة للمنظومة التعليمية والبحثية والإنتاجية؛ وحين تُختزل الرقمنة في مظاهر إلكترونية سطحيّة مع استمرار الآليات الورقية والاجرائية القديمة، فإننا نكون أمام حالة نموذجية لما يُمكن تسميته بـوهم التحول الرقمي..

تجليات الوهم الرقمي في المشهد الأكاديمي

تتجلى ظاهرة الرقمنة الشكليّة في بعض المؤسسات التعليمية الليبية عبر عدة مظاهر يومية يعايشها الطالب وأستاذ الجامعة:

الازدواجية الإدارية (الورقي الموازي): يُطلب من الطالب التسجيل إلكترونياً، ثم يُلزم بتقديم ملف ورقي كامل وطباعة النماذج لتقديمها يدوياً للمكاتب الإدارية، ما يعكس عدم ثقة المؤسسة في منظومتها الرقمية..

اختزال التعليم الإلكتروني في رفع المحاضرات: التعامل مع المنصات الرقمية كـمستودعات لتخزين الملفات بدلاً من استخدامها كبيئات تفاعلية تشمل التقييم المستمر، الورش الافتراضية، والمعامل المحاكاة.

غياب قاعدة البيانات الموحدة: تشتت البيانات بين الأقسام والكليات، وضعف الربط الرقمي بين التسجيل، المنظومة المالية، وإدارة الامتحانات والنتائج..

التحديات الهيكلية والمستقبلية

يقف أمام تحقيق تحول رقمي ناضج في الجامعات الليبية جملة من التحديات المركبة:

أزمة البنية التحتية التكنولوجية: تُشكل أزمات الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، وتذبذب جودة شبكات الاتصالات والإنترنت، عائقاً أساسياً أمام استقرار المنظومات الرقمية. كما تعاني الكليات من نقص التجهيزات التقنية الحديثة والخوادم) ذات السعة والاعتمادية العالية..

الفجوة الرقمية ومقاومة التغيير

تتفاوت القدرات الرقمية بين أطراف العملية التعليمية:

أعضاء هيئة التدريس: يواجه جانب من الأكاديميين صعوبة في التكيف مع الوسائط الرقمية الحديثة، فضلاً عن وجود مقاومة نفسية وثقافية للانتقال من التدريس التقليدي إلى البيئات المدمجة..

الطلاب: رغم الشغف التقني لجيل الشباب، إلا أن التفاوت في الإمكانيات الاقتصادية بين الطلاب يمنع البعض من امتلاك أجهزة حاسوب متطورة أو اشتراكات إنترنت سريعة..

شح الميزانيات وغياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة: تدار المبادرات الرقمية في غالب الأحيان بـجهود فردية واجتهادات كليّة دون وجود رؤية استراتيجية ممتدة على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؛ مما أدى إلى تشتت الجهود وغياب المعايير الوطنية الموحدة للرقمنة..

مخاطر الأمن السيبراني وحماية البيانات: تفتقر معظم المنظومات الجامعية إلى بروتوكولات حماية وسريّة قوية، مما يجعل بيانات الطلاب، النتائج الامتحانية، والمحتوى العلمي عُرضة للاختراق أو الضياع نتيجة الهجمات الرقمية أو غياب أنظمة النسخ الاحتياطي التلقائي..

خريطة الطريق: الانتقال من الشكليّة إلى الفاعلية

للخروج من فخ الوهم الرقمي وبناء جامعة ليبية مواكبة للمستقبل، يتطلب الأمر خطوات استراتيجية متكاملة:

صياغة استراتيجية وطنية مدمجة: وضع دليل معايير موحد للتحول الرقمي تشترك فيه جميع الجامعات الليبية، يحدد مراحل التنفيذ ومؤشرات الأداء..

الاستثمار في العنصر البشري: تنظيم دورات تدريبية مكثفة وإلزامية لأعضاء هيئة التدريس والموظفين في مهارات التدريس الرقمي والإدارة الإلكترونية..

تأمين البنية التحتية والحلول البديلة: اعتماد أنظمة الطاقة الشمسية للغرف السيرفرات والشبكات الجامعية، وتفعيل الاتفاقيات مع شركات الاتصالات لتوفير باقات إنترنت تعليمية مدعومة للطلاب والباحثين..

تطوير التشريعات الأكاديمية: تحديث اللوائح التعليمية لتعتمد التعليم المدمج واحتساب الساعات الإلكترونية ضمن العبء التدريسي واللوائح الامتحانية الرسمية.

إن التحول الرقمي في الجامعات الليبية ليس خياراً رفاهياً، بل هو ضرورة حتمية لضمان مكانة الأكاديميات الليبية في التصنيفات العربية والدولية، ولن يتحقق هذا التحول بإطلاق التسميات البرّاقة، بل بالاعتراف بشجاعة بالتحديات القائمة، والانتقال الواعي من رقمنة الأوراق إلى رقمنة العقول والعمليات..

د.عبدالله محمد أطبيقه

شاهد أيضاً

رحيل أحمد إبراهيم.. رواية وطن لم تكتمل فصولها

حمزة جبودة وفاة الفنان الليبي أحمد إبراهيم إثر حادث أليم. هكذا كُتب على مواقع التواصل …