في قيظ الصيف حين تضيق البيوت بحرارتها ويخذل التيار الكهربائي الناس لساعات طويلة، يصبح البحر ملاذًا جماعيًا ونافذةً مفتوحةً على نسمة حياة. لكن هذا الملاذ على جماله ليس بريئًا دائمًا إنما يحمل في طياته مخاطر صامتة قد تتحول في لحظة إلى مآسي مؤلمة إن غابت المعرفة وساء السلوك وغابت الاحتياطات. البحر ليس مجرد ماءٍ ممتد إنه كائن حيّ متغير ومزاجه يتبدل مع الرياح، وهدوءه قد يخفي اضطرابًا في الأعماق.
تغير حالة الطقس واشتداد الرياح أو ارتفاع الأمواج قد يحول السباحة من متعة إلى خطر داهم خاصة لمن لا يجيدون السباحة أو يغامرون دون تقدير حقيقي لقدراتهم. وكثيرًا ما تكون لحظات الغرق صامتة لا صراخ فيها ولا استغاثة إنما اختفاء سريع يترك خلفه فاجعة لا تُحتمل.
وعلى الشواطئ حيث يفترض أن تكون الرمال ملاذًا للراحة تكمن مخاطر أخرى من صنع الإنسان نفسه. الزجاج المكسور وعلب التونة والسردين وبقايا الأطعمة والقمامة المتناثرة تتحول إلى شراك خفية تجرح الأقدام الصغيرة قبل الكبيرة، وتعرض الأطفال خصوصًا لإصابات مؤلمة قد تتطور إلى التهابات خطيرة. أما تلويث البحر بالمخلفات والسلوكيات الخاطئة، تحت ذريعة أن ماء البحر يطهر نفسه، فهو وهم خطير، فالبحر وإن كان متجددًا ليس معصومًا من التلوث، وتراكم الملوثات ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والبيئة.
ثم تأتي الأخطار الأكبر وهي ضربات الشمس التي تفتك بالجسم بصمت خاصة مع الرطوبة العالية حيث يفقد الجسم قدرته على التبريد فيرتفع الضغط على القلب والدماغ. وهناك الحوادث القاتلة الناتجة عن القفز في أماكن غير معروفة العمق والتي قد تؤدي إلى كسور في العمود الفقري خصوصًا فقرات الرقبة، وهي إصابات مأساوية قد تنتهي بشلل رباعي دائم أو وفاة فورية.
إن ارتفاع حالات الغرق والإصابات في مثل هذه الظروف ليس صدفة إنما نتيجة مباشرة لغياب الوعي وضعف الاستعداد وسوء التقدير. ولهذا فإن مسؤولية السلامة ليست فردية فقط إنما مجتمعية تبدأ من السلوك وتنتهي بالنظام. ولكي يكون الصيف جميلًا كما نرجوه لا بد من الالتزام بجملة من الاحتياطات الأساسية ومنها اختيار أوقات السباحة الآمنة، وتجنب البحر عند اضطراب الطقس أو ارتفاع الأمواج. وعدم السباحة منفردًا أو في أماكن غير مأهولة أو غير مراقبة.
مراقبة الأطفال بشكل دائم، وعدم تركهم دون إشراف ولو لدقائق. ارتداء الأحذية المناسبة على الشاطئ لتجنب الجروح والإصابات. والامتناع التام عن رمي القمامة، والمساهمة في تنظيف المكان قبل مغادرته. وتجنب القفز في المياه المجهولة العمق أو بالقرب من الصخور. وشرب كميات كافية من الماء، وتجنب التعرض الطويل لأشعة الشمس المباشرة، واستخدام وسائل الوقاية كالمظلات والقبعات. مع ضرورة التعرف على أساسيات الإسعافات الأولية، خصوصًا التعامل مع الغرق وضربات الشمس. كما أن الجهات المعنية مطالبة بتوفير شواطئ نظيفة وآمنة ومزودة بفرق إنقاذ مدربة، ولوحات إرشادية واضحة، وحملات توعية مستمرة، لأن حماية الأرواح واجب.
إن البحر نعمة عظيمة لكنه لا يغفر الاستهتار. وصيف بلا وعي قد يتحول إلى موسم أحزان. فلنجعل من ثقافة السلامة أسلوب حياة، ومن احترام البيئة سلوكًا يوميًا حتى يبقى البحر مساحة للفرح وليس ساحة للفقد، ولتكون إجازاتنا ذكرى جميلة وليس قصة ألم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية