منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الاحترام الوصفة الأولى للعلاج

إن احترام الآخر في السياق الصحي ليس مجرد سلوك مهني يمكن تعلمه أو بروتوكول يمكن تطبيقه، إنما هو اعتراف وجودي بحقيقة جوهرية أن كل إنسان يحمل في كينونته قيمة لا تقبل التجزئة أو المقايسة، فالمرء في لحظة ضعفه الصحي لا يكون أقل إنسانية منه في أوج قوته، إن حاجته الماسة تجعل كرامته أكثر قدسية وأشد وجوباً للصون، فعندما يقف الممارس الصحي أمام مريضه لا يقف أمام حالة مرضية أو ملف سريري بل أمام وجود إنساني متكامل يحمل تاريخه وخوفه ورجائه، واللقاء الصحي في عمقه الفلسفي هو لقاء بين هشاشتين هشاشة الجسد المريض وهشاشة المعرفة الإنسانية التي لا تملك من الأمر إلا بعض أسبابه وظواهره، ومن هذا الوعي المشترك بالهشاشة ينبثق احترام حقيقي لا يقوم على تفاوت في القوة أو المعرفة إنما على إدراك أن كلاً منا واقف على أرضية مشتركة من العجز الإنساني. إن الزمن في المرض يصير مقاساً مختلفاً ، إنه زمن ممدود مثقل بالقلق تختلط فيه دقائق الانتظار بساعات التأمل، فاحترام المريض يبدأ من احترام زمنه أن لا يُختصر وجوده في دقائق معدودة، وأن يُمنح من الوقت ما يكفي ليقول ما يريد أن يقوله وليس فقط ما يحتاجه الطبيب ليسمعه، كما أن الجسد المريض ليس مجرد موضوع للمعاينة والتشخيص إنه مسكن الروح ومظهر الهوية , واحترامه يعني أن كل لمسة طبية تكون بإذن وكل فحص يكون بتقدير وكل إجراء يكون بشفافية ، فالفجوة بين الجسد كموضوع طبي والجسد كذات معيشة هي فجوة أخلاقية لا يسدها إلا الاحترام، والمريض ليس وعاءً فارغاً ينتظر أن يملأه الطبيب بمعرفته إنه صاحب خبرة فريدة بجسده وأعراضه وله من المعرفة الذاتية ما لا يمكن لأي تشخيص موضوعي أن يحيط به، فالاحترام الحقيقي هو أن تُعد معرفة المريض جزءاً من العملية العلاجية لا عائقاً أمامها، وفي لحظة المرض قد تبدو الاستقلالية مهددة أو منقوصة لكنها تظل حقاً أصيلاً واحترام المريض هو أن تبقى خياراته مركز العملية العلاجية، وأن يكون القرار الطبي مقترحاً لا إملاءً وأن يظل الإنسان ولو كان طريح الفراش فاعلاً في تدبير شأنه. وليس احترام الآخر في الخدمات الصحية مجرد أخلاق فردية فهو بُنيان مؤسسي، فالمؤسسة الصحية المحترمة هي تلك التي تُصمم سياساتها بحيث تجعل من الخصوصية حجر زاوية لا إجراءً شكلياً وتصغي إلى أصوات المرضى وتجعلها جزءاً من تقييم الجودة، وتدرب العاملين على أن الاحترام ليس رفاهية أخلاقية إنما هو جوهر الممارسة، وتعترف بأن خطأ في الاحترام قد يكون أشد ضرراً من خطأ في التشخيص، لأن الاحترام ليس تزييناً للعلاج إنما هو العلاج نفسه في جانب منه فالإنسان الذي يشعر بأنه مكرم يجد في ذلك قوة للشفاء لا تقل عن قوة الدواء وبالعكس فالإحساس بالإهانة أو التهميش يمكن أن يعطل آليات الشفاء الطبيعية ويجعل الجسد مكاناً للصراع بدلاً من أن يكون مكاناً للرعاية. إننا عندما نحترم المريض نعيد له شيئاً قد يكون المرض قد سلبه الإحساس بأنه إنسان قبل أن يكون مريضاً وبأن قيمته لا تنقص بضعفه وبأنه في عيون من يعالجونه ليس مجرد حالة تعبر غرفة الطوارئ بل هو قصة إنسانية تستحق أن تُروى بالكامل، وأن تُعالج بالكرامة التي يستحقها كل إنسان، فليس الطب أن تجيد التشخيص وتتقن العلاج بل الطب أن ترى في كل مريض عالماً بأسره وأن تتعامل مع هذا العالم بكل ما يستحقه من إجلال.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

"لا للملوك".. الأمريكيون ينتفضون ضد سياسات ترامب وحرب إيران

“لا للملوك”.. الأمريكيون ينتفضون ضد سياسات ترامب وحرب إيران

اجتاحت الولايات المتحدة اليوم موجة احتجاجات عارمة شملت أكثر من 3100 مظاهرة تحت شعار “لا …