منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

وبيك جبر..

أحلام محمد الكميشي

بعد اثنين وأربعين عامًا ما يزال كثير من الليبيين يتعاملون مع أحداث باب العزيزية 1984م، بعقلية الاصطفاف أكثر من عقلية الفهم. فريق يراها بطولة خالصة، وفريق يراها مؤامرة خالصة، والكل لا يبحث الحدث بل يدافع عن الهوية من خلال الحديث عن الحدث، وبالتالي تضيع الأسئلة التي كان يفترض أن تُطرح منذ زمن بعيد.

ربما كان مفهومًا في تلك الأيام أن يتحدث الناس بعاطفة؛ كانت الدماء ساخنة، والخصومات في ذروتها، والتأجيج على قدم وساق، وكل طرف يرى نفسه في معركة وجود لا تحتمل المراجعة. أما اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، فلم يعد مقبولًا أن يبقى هذا الملف خارج مشرحة التحليل والدراسة، وكأن مجرد الاقتراب منه بالعقل لا بالعاطفة يُعد خيانة لأحد الطرفين.

إن أحداثًا بهذا الحجم لا يجوز أن تبقى أسيرة الروايات التعبوية، ولا أن تُختزل في خطاب يمجد هذا الطرف أو يشيطن ذاك. ولا مناص من طرح الأسئلة الصعبة التي تزعزع الراحة الأيديولوجية للمتشبثين بالعاطفة، وتنقل الحدث من منطقة الانفعال إلى منطقة التحليل: ما السياق الإقليمي والدولي الذي جعل هذا النوع من العمليات ممكنًا في تلك المرحلة؟ ما حدود التخطيط والتنفيذ له بعيدًا عن التضخيم؟ كيف استُخدم الحدث لاحقًا في بناء الشرعية أو الخصومة السياسية؟ من استفاد منه؟ وكيف تحول لاحقًا إلى مادة لتغذية الانقسام وإنتاج الشرعيات والخصومات؟

كثير من ذاكرتنا السياسية ما زالت مرتبطة بشرعية المواقف لا بتشريح الوقائع، وبالقراءة التعبوية التي تدّعي امتلاك الحقيقة، بدل القراءة النقدية التي تعترف بحدودها وتفتح الاحتمالات. عمر الحدث اليوم هو نفس عمر النظام الذي وُلد في ظله، ولا النظام بقي كما كان، ولا الجبهة بقيت كما كانت، ولا حتى العالم الذي صنع تلك اللحظة ما يزال قائمًا. ولا توجد أمة يمكنها التعلم من تاريخها دون ثقافة التفكيك ومواجهة الحقيقة، وحدنا ما زلنا نتشبث بالروايات التي تغذي عواطف جمهور الرواة، ونرفض التعامل مع الحدث كحقيقة تاريخية شاخت بما يكفي لتُفكك وتُفهم، وظللنا نحفظه في المهد خشية المساءلة ونغلفه بالشعارات خشية المواجهة، ونهدهده: “بيك جبر”.

 

شاهد أيضاً

طيورُ “النصر”.. ملحمةٍ بصريةٍ مشحونةٍ بالحبر والضوء.

طيورُ “النصر”.. ملحمةٍ بصريةٍ مشحونةٍ بالحبر والضوء.

يواصل الفنان التشكيلي علي المنتصر الكشف عن ملامح ملحمته الفنية «النصر يدنو»، عبر مجموعة من …