باختصار
في المقال السابق، كتبت عن وهم مصطلح القبائل الشريفة الذي توارثته الأجيال، وقلت إن الشرف ليس صفة تنتقل بالدم، ولا وساماً تمنحه القبيلة لأبنائها منذ الولادة… وربما يكون من الأنفع أن نذهب بالفكرة خطوة أبعد من ذلك، إلى التاريخ الإسلامي نفسه، لنكتشف مفارقة تستحق التأمل.
فالإسلام الذي يفتخر بعضنا اليوم بأن نسبه عربي، لم يحفظه العرب وحدهم، ولم تنتشر علومه على أيدي العرب وحدهم، ولم يكن كبار علمائه جميعاً من قريش ولا من القبائل العربية.
بل إن عدداً كبيراً من أعلام علماء الإسلام الذين حفظوا القرآن والحديث والسيرة والتفسير والفقه وحتى اللغة العربية، كانوا من غير العرب، وجاءوا من مناطق بعيدة عن الجزيرة العربية.
خذوا مثلاً أئمة الحديث، فالإمام البخاري صاحب صحيح البخاري، من بخارى وهي اليوم في دولة أوزبكستان، والإمام الترميذي من ترمذ، وهي اليوم في أوزبكستان، والإمام النسائي من خراسان، وهي اليوم في تركمانستان، والإمام مسلم من خراسان، وهي اليوم في إيران، وابن ماجه من قزوين في بلاد فارس، وهي اليوم في إيران.
كل هؤلاء الأئمة لم تكن أصولهم عربية، ومع ذلك أصبحوا من أعظم من خدموا الحديث والسنة، وصارت كتبهم من أهم مصادر التراث الإسلامي… زد عليهم علماء الفقه الإسلامي، وهذا أشهرهم أبو حنيفة النعمان، أحد أئمة المذاهب الأربعة، وهو من أصول غير عربية، ومع ذلك أصبح مذهبه من أكثر المذاهب انتشارا في العالم الإسلامي.
ولم يقتصر الأمر على الحديث والفقه فقط، بل امتد الأمر إلى اللغة العربية نفسها، فهذا سيبويه إمام النحاة كان فارسيا، لكنه أصبح أول اسم يذكر عند الحديث عن النحو العربي… وكذلك عبد القاهر الجرجاني، من جرجان في بلاد فارس، وهي اليوم في إيران، والزمخشري من خوارزم تقع تركمانستان وأوزبكستان.
وهكذا نجد أن الحضارة الإسلامية لم تكن صناعة العرب وحدهم، ولم تكن خدمة الإسلام أو اللغة العربية مرتبطة بالنسب العربي، فقد أسهم فيها علماء من أصول ومناطق وشعوب متعددة، حتى إن بعض أعظم من حفظوا الحديث وعلوم العربية وبنوا صروح المعرفة الإسلامية لم يكونوا عرب الأصل.
الإسلام منذ بدايته لم يقدم نفسه باعتباره مشروعا عرقيا للعرب، وإنما رسالة للناس كافة… وحين دخلت إليه شعوب فارس والروم ومصر والمغرب والأندلس …. وغيرها، لم يصبح هؤلاء مجرد أتباع، بل أصبحوا علماء وحفاظا ومفسرين وفقهاء ولغويين وفلاسفة.
لهذا، فإن الفخر الحقيقي ليس أن تقول: أنا من قبيلة كذا، أو أن جدي كان من المكان الفلاني، فهذا تاريخ يحترم، لكنه ليس إنجازا شخصيا، بينما الفخر الحقيقي أن تسأل: ماذا قدمت أنت؟ فقد يكون الإنسان عربيا ولا يضيف شيئا، وقد يكون أعجميا ويترك أثرا لا تنساه أمة كاملة.
وهكذا يعلمنا التاريخ الإسلامي درسا واضحا ملخصه، أن الحضارات لا تبنيها الدماء والأنساب، وإنما تبنيها العقول والأخلاق والعمل، فليس المهم من أي قبيلة جئت، ولا من أي أرض جاء أجدادك، وإنما المهم ماذا فعلت أنت في الأرض التي عشت عليها، وماذا أضفت إلى المجتمع من علم أو آثر ينتفع به بعدك، فالتاريخ لا يحتفظ طويلا بمن اكتفوا بأسماء آبائهم، وإنما يحتفظ بمن صنعوا لأنفسهم اسما يستحق أن يذكر.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية