منصة الصباح
د. علي عاشور

مَا تَفْرَسْ لِينْ تَهْرَسْ

باختصار

يقول موروثنا الشعبي الليبي:) ما تفرس لين تهرس) وهي عبارة تختصر بكلمات قليلةحقيقة كبيرة في تربية الإنسان، مفادها أن القوة لا تكتسب من الراحة، وأن الشخصية لا تبنى في الطرق الممهدة دائماً، وإنما تتشكل حين يواجه الإنسان شيئا من المشقة، ويتحمل شيئا من المسؤولية، ويتعثر قليلاً ثم يتعلم كيف يقف على قدميه من جديد.

قبل أيام قليلة وجدت نفسي أمام مشهد بسيط في ظاهره، لكنه أثار في داخلي سؤالاً كبيراً عن الطريقة التي نربي بها أبناءنا الذكور، رأيت أحد جيراني يتعامل مع ابنه بمنتهى الحب والحرص، لكنه كان يرفع عنه كل مشقة تقريباً، ويلبي له كل ما يطلب، ويسارع إلى حل كل مشكلة تواجهه، وكأن مهمته أن يجعل حياة ابنه خالية من التعب، ومن كلمة لا، ومن أي تجربة يمكن أن تجعله يعتمد على نفسه، وكان واضحا أن الرجل يظن أنه بذلك يمنح ابنه أفضل تربية ممكنة، وأنه يوفر له ما ربما لم يستطع هو نفسه الحصول عليه في طفولته.

لكنني تساءلت: هل الحب يعني أن نسهل عن أبنائنا كل صعوبة؟ وهل الحماية تعني أن نمنع عنهم كل تجربة يمكن أن يتعلموا منها؟ وهل من الحكمة أن نربي أبناءنا على أن كل ما يريدونه يجب أن يأتيهم، ثم نرسلهم بعد ذلك إلى حياة لا تمنح أحدا كل ما يريد؟
المشكلة ليست في أن نكون كرماء مع أبناءنا، ولا في أن نوفر لهم حياة كريمة، ولا في أن نمنحهم ما نستطيع من الحب والاهتمام… لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحب إلى دلال زائد، ويتحول الحرص إلى حماية مفرطة… ويتحول العطاء إلى إلغاء شخصية رجل يتحمل المسؤولية، حتى يكبر الطفل وهو يظن أن العالم كله مطالب بأن يعامله بالطريقة نفسها التي عاملته بها أسرته.
الطفل لا يحتاج فقط إلى أب يفتح له الأبواب، بل يحتاج أيضا إلى أب يعلمه كيف يفتح الباب عندما يكون مغلقاً… يحتاج إلى من يقول له نعم عندما يستحقها، وإلى من يقول له لا عندما تكون لاهي الكلمة التي تبني شخصيته، ويحتاج إلى أن يعمل من أجل ما يريد، وأن يتحمل نتيجة خطئه، وأن يعرف أن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن السقوط ليس عيباً، وأن الاعتماد على النفس ليس قسوة، بل أحد أهم أشكال النضج.

والتاريخ مليء بالأمثلة؛ تأملوا خالد بن الوليد، ذلك القائد الذي لم يصنع مجده على وسائد الراحة، بل على ظهور الخيل وبين صليل السيوف، وخاض من المعارك ما جعل جسده يحمل آثارها، وتأمل صلاح الدين الأيوبي الذي صنعت شخصيته الحروب والصبر وطول النفس حتى صار ذكر اسمه في ختام كل حديث يدور عن تحرير فلسطين، وانظر إلى نيلسون مانديلا الذي قضى أكثر من خمسة وعشرون عاماً في السجن، ثم خرج أكثر ثباتا وتأثيرا، وأصبح رمزا عالميا للصبر والتسامح.

الرجولة لا تأتي من حياة مريحة، ولا تصنع في غرفة لا يدخلها التعب، وإنما تولد حين تضربك الحياة فتنهض…. وحين تضيق بك الظروف فتعمل… وحين تفشل فتتعلم… وحين يخذلك من وثقت به فتزداد قوة… وحين يظن الجميع أنك انتهيت فتبدأ من جديد.

فالحديد لا يصبح سيفا وهو في باطن الأرض، وإنما بالنار والطرق والصبر، وكذلك الرجال… لا يولدون عظماء، وإنما تصنعهم الأيام الصعبة والتجارب القاسية والمسؤوليات التي تعلمهم كيف يقفون وحدهم.

فربوا أبناءكم على الحب، وعلى الحنان والكرامة، ولكن لا تربوهم على الدلال الذي يسلبهم القدرة على مواجهة الحياة…. لا تزيلوا من طريقهم كل حجر، لأن بعض الحجارة هي التي تعلم الإنسان كيف يمشي.

بقلم
د. علي عاشور

شاهد أيضاً

هاشم شليق

الشباب والبطالة والإحتجاجات

هاشم شليق نسبة البطالة عند الشباب الليبي بلغت 51% وذلك يسبب الإحتقان..كما نلحظ نشوء ظاهرة …