منصة الصباح
تمثال حجري أثري يظهر جزئياً بين أغصان نباتات مزهرة داخل حديقة تحيط بها أشجار صنوبر ومبنى بطراز معماري تقليدي في الخلفية.
تُبرز الصورة تمثالاً أثرياً تحيط به النباتات والأزهار داخل حديقة ذات طابع تاريخي، بينما تظهر في الخلفية أشجار شاهقة ومبنى يعكس الطراز المعماري التقليدي، في مشهد يجسد التقاء الموروث الثقافي بجمال الطبيعة. مصدر الصورة: مالك الشاعري.

مكتبة شحات.. ألفا عام من الحجارة إلى المعرفة

 مني عريبي

في قلب مدينة شحات، حيث تتعانق أعمدة قورينا مع ذاكرة التاريخ، يقف مبنى لا يشبه غيره؛ فهو ليس مجرد مكتبة، بل معلم أثري يختزل أكثر من ألفي عام من التحولات الحضارية. هنا لا يقرأ الزائر كتابًا فحسب، بل يقرأ تاريخًا كُتب بالحجارة قبل أن يُكتب بالحبر

داخل هذا المكان، تتقاطع الحضارة الإغريقية والرومانية مع الحاضر، لتقدم واحدة من أندر التجارب الثقافية في ليبيا، حيث تحولت بقايا منزل روماني فاخر إلى مكتبة تحفظ ذاكرة الوطن وتراثه العلمي.

مكتبة قورينا تصوير عبد المالك الشاعري
مكتبة قورينا تصوير عبد المالك الشاعري

قورينا المزدهرة

تأسست مدينة قورينا عام 631 قبل الميلاد، وسرعان ما أصبحت من أهم المراكز الفكرية والعلمية في العالم الإغريقي، واشتهرت بمدارسها الفلسفية والعلمية، وشهدت خلال العصرين الهلنستي والروماني نهضة عمرانية كبيرة، انعكست في معابدها وشوارعها ومنازلها الفاخرة.

ومن بين تلك المنازل، برز المبنى الذي يحتضن اليوم مكتبة شحات، والذي شُيّد بين القرنين الأول والثاني الميلاديين، ليكون مسكنًا لأحد وجهاء المدينة، مزودًا بفناء داخلي، وقاعات استقبال،
وأرضيات من الرخام والفسيفساء، ونظام متقدم لتجميع مياه الأمطار، في صورة تعكس الرقي العمراني الذي بلغته قورينا آنذاك.

مكتبة شحات تصوير عبد المالك الشاعري
مكتبة شحات تصوير عبد المالك الشاعري

صمت القرون

لم يدم ذلك الازدهار طويلًا، ففي عام 365 ميلادية ضرب زلزال مدمر شرق البحر المتوسط، فتضررت مدينة قورينا بصورة كبيرة، وانهارت مبانٍ كثيرة، كان من بينها هذا المنزل.

ومع مرور الزمن، غطت الأتربة والأنقاض المبنى، وبقي مطمورًا لقرون طويلة، حتى أعادت إليه أعمال التنقيب الأثري في القرن العشرين الحياة، بعدما كشفت البعثات الأثرية عن تفاصيله المعمارية التي ظلت محفوظة رغم تعاقب العصور.

ميلاد جديد

بعد أعمال الترميم، اتُخذ قرار بتحويل المبنى إلى مكتبة عامة، في تجربة رائدة لإعادة توظيف مبنى أثري دون المساس بقيمته التاريخية، ليصبح المكان شاهدًا على قدرة التراث على مواصلة أداء رسالته، ولكن بصورة مختلفة.

فالجدران التي احتضنت حياة أسرة رومانية قبل ألفي عام، أصبحت اليوم تحتضن آلاف الكتب والمراجع، وتستقبل الباحثين والطلاب والمهتمين بتاريخ ليبيا وآثارها.

ذاكرة قورينا

وفي تصريح خاص لمنصة الصباح، أكد مدير إدارة متحف شحات، إسماعيل ذخيل، أن مكتبة آثار شحات تُعد من أقدم وأهم المكتبات الأثرية المتخصصة في ليبيا، وتمثل ذاكرة علمية لمدينة قورينا وإقليم برقة.

وأوضح أن بداياتها تعود إلى عقود مبكرة من القرن العشرين، فيما ترسخ دورها المؤسسي خلال خمسينيات القرن الماضي، عندما أشرف عليها الباحث الراحل الدكتور صالح ونيس، الذي عمل على تنمية مقتنياتها والمحافظة عليها حتى أصبحت مرجعًا علميًا بارزاً.

وأضاف أن المكتبة انتقلت من مقرها القديم المجاور لإدارة الآثار إلى موقعها الحالي، حيث تواصل أداء رسالتها في خدمة الباحثين.

وأشار إلى أن المكتبة تضم نحو 17 ألف كتاب ومرجع متخصص، من بينها مؤلفات نادرة تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، إضافة إلى تقارير البعثات الأثرية، والدوريات العلمية، ومراجع بلغات متعددة، ما جعلها مقصدًا للباحثين من داخل ليبيا وخارجها.

وشدد ذخيل على أن المكتبة تمثل أرشيفًا علميًا يوثق أكثر من قرن من أعمال التنقيب والدراسات الأثرية، مؤكدًا أن الحفاظ عليها وتطويرها مسؤولية وطنية، لما تمثله من قيمة علمية وثقافية في صون التراث الليبي.

رسالة خالدة

ليست مكتبة شحات مجرد مكان لحفظ الكتب، بل هي شاهد حي على استمرارية الحضارة. فمن منزل روماني شُيّد في زمن ازدهار قورينا، إلى معلم أثري نجا من تقلبات الزمن، ثم إلى منارة للعلم والمعرفة، ظل هذا المكان يؤدي رسالته عبر العصور.

وهكذا تبقى مكتبة شحات أكثر من مبنى أثري أو مؤسسة ثقافية؛ إنها ذاكرة مدينة، وأرشيف حضارة، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الأمم التي تصون تراثها، إنما تحفظ هويتها للأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

صورة بورتريه للكاتب الليبي عبد الحفيظ العابد، ذي الشعر الطويل المتموج،

“جحش عطية” يصلُ بالرواية الليبية إلى القائمة الطويلة

أعلنت جائزة الرواية العربية “الرواية غير المنشورة”، اختيار “33” رواية ضمن القائمة الطويلة لدورتها الحالية، …