منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*ليبيا وطن عظيم ينهض شعبه من ذاكرة المجد ليصنع المستقبل*

 الأوطان ليست مجرد مساحات ترسمها الخرائط ولا الشعوب أعدادا تحصيها الإحصاءات ولا قيمة الأمم بما تملك من ثروات إنما بما تختزنه من ذاكرة وما تحمله من قيم وما تبديه من قدرة على الصمود وما تتركه من أثر في مسيرة الإنسانية.

ومن هذا المعنى العميق فإن ليبيا ليست مجرد رقعة واسعة من الأرض في شمال أفريقيا، ولا بلدا تختصره ثروة النفط والغاز، ولا شعبا تختزله أزماته الراهنة، إنها حكاية إنسان وأرض وتاريخ، وذاكرة حضارية ضاربة في أعماق الزمن، وشخصية وطنية صاغتها الجغرافيا، وصقلتها المحن وحفظت في وجدانها قيما أكبر من تقلبات الأيام. هذه الأرض التي تعانق الصحراء فيها البحر، وتلتقي على امتدادها طرق القوافل بطرق الحضارات، لم تكن يوما فراغا على هامش التاريخ.

شهدت تعاقب حضارات عريقة، واحتضنت مدنا تركت آثارها في ذاكرة العالم، وعرفت معنى الأرض التي تمنح أبناءها القسوة والكرم معا، تعلمهم شظف العيش وتفتح لهم في الوقت ذاته أبواب الضيافة وتغرس فيهم الاعتزاز بالكرامة والتعلق بالحرية والوفاء للعهد وإغاثة المحتاج واحترام الجار وصون حرمة الإنسان.

وفي هذا التراكم التاريخي والإنساني، تتشكل ملامح هوية لا تنتمي إلى الماضي وحده وإنما تحمل إمكانات المستقبل أيضا. والشعب الليبي لم يكن من الشعوب الأكثر عددا ولم تكن عظمته يوما رهينة الكثرة.

كم من أمم عظيمة صنعت أثرها بعلمها وإرادتها وكم من شعوب قليلة العدد تجاوزت حدودها الجغرافية بما أنجزته للعالم.

إن قيمة ليبيا لا تحتاج إلى تضخيم، وإنما إلى اكتشاف واعي لحقيقتها وإيمان راسخ بأن الإنسان الليبي حين تتاح له شروط الحياة الكريمة ومؤسسات الدولة العادلة وفرص العلم والعمل والإبداع، يستطيع أن يختصر المسافات، وأن يحول محدودية العدد إلى ميزة واتساع الأرض إلى فرصة والثروة الطبيعية إلى قوة منتجة والموروث الأخلاقي والقيمي إلى أساس لحضارة حديثة.

ولقد عرف الليبيون قسوة التاريخ ومرارة الاحتلال وثمن المقاومة وعاشوا تحولات شاقة لم تكن دائما بأيديهم.

قاوموا حين كان البقاء نفسه تحديا، وتمسكوا بأرضهم حين أراد الآخرون انتزاعها، وحفظوا في ذاكرتهم أسماء وتضحيات صارت جزءا من وجدانهم الجمعي.

وليس المقصود أن الألم يصنع المجد وحده أو أن المعاناة قدر ينبغي تمجيده فالأمم لا تتقدم بطول جراحها وإنما بما تتعلمه منها، ولا تستعيد كرامتها بتكرار مآسيها وإنما بتحويل دروسها إلى وعي يمنع تكرارها.

إن أعظم وفاء لتضحيات الأجداد ليس أن نظل أسرى حكاياتهم وإنما أن نبني لأبنائهم وطنا لا يضطرون فيه إلى خوض معارك البقاء ذاتها.

ولذلك فإن ما تعيشه ليبيا اليوم بكل ما فيه من انقسام وتعثر وضياع للفرص وتآكل للثقة لا ينبغي أن يتحول إلى تعريف أبدي للشعب ولا إلى حكم نهائي على الوطن.

فالواقع مهما اشتدت عتمته يظل مرحلة من تاريخ وليس التاريخ كله والأزمات مهما اتسعت لا تلغي إمكانات النهوض، لكنها تكشف مقدار ما نحتاج إليه من شجاعة في الاعتراف وحكمة في الاختيار وإرادة في الإصلاح.

ليس من الإنصاف أن ننكر الألم كما ليس من الحكمة أن نسمح له بأن يصادر المستقبل.

فبين الاعتراف بالواقع والاستسلام له مسافة تصنعها الشعوب التي تعرف أن كرامتها لا تكتمل بالشكوى وإنما بالفعل وأن الأمل ليس أمنية معلقة في الهواء وإنما مسؤولية تتحول إلى عمل.

إن ليبيا تملك من مقومات النهوض ما يجعل مستقبلها جديرا بطموح أبنائها بها أرضا واسعة وثروات طبيعية وموقعا استراتيجيا يصل أفريقيا بأوروبا والمتوسط بعمقه القاري وإرثا حضاريا وإنسانيا وطاقات بشرية تستطيع أن تتعلم وتبتكر وتنتج وتنافس.

لكن الثروة التي لا تتحول إلى تعليم ومعرفة وصحة وصناعة ومؤسسات عادلة تظل إمكانية مؤجلة، والجغرافيا التي لا تحسن الدولة توظيفها تبقى مجرد موقع على الخريطة والتاريخ الذي لا يستلهمه الحاضر يتحول إلى متحف للذكريات.

إن الرهان الحقيقي ليس فيما تحت الأرض من نفط وغاز وإنما فيما فوقها من عقول وليس في حجم الإيرادات وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى جودة حياة وأمن إنساني وعدالة وعلم واقتصاد منتج ودولة تحمي كرامة مواطنيها وتكافئ الكفاءة وتصون الحقوق.

ولعل أعظم ما تحتاج إليه ليبيا اليوم هو استعادة الثقة بين الإنسان ووطنه وبين المواطن والدولة وبين الذاكرة الوطنية والخيال المستقبلي.

تحتاج إلى أن يرى الليبي في اختلافه عن أخيه تنوعا يغني الوطن لا سببا لهدمه، وأن يدرك أن القبيلة والمنطقة والمدينة روافد لهوية وطنية أوسع وأن الانتماءات الضيقة، مهما كانت عميقة في وجدان أصحابها لا يمكن أن تكون بديلا عن وطن يتسع للجميع.

وتحتاج إلى أن يصبح النجاح قيمة اجتماعية والعلم طريقا للمكانة والعمل معيارا للتقدير والنزاهة مصدر فخر وخدمة الإنسان أرفع مراتب الشرف.

فالوطن العظيم تصنعه عقول تحسن التفكير وأيد تتقن العمل وضمائر ترفض الفساد ومؤسسات تجعل القانون فوق الجميع.

ولا ينبغي لليبيا أن تتطلع إلى المستقبل بعقلية من ينتظر اعتراف العالم بعظمته وإنما بعقلية من يعرف قيمة نفسه ويعمل على تجسيدها.

فالعالم لا يمنح الأمم مكانتها مجاملة ولا تحفظ الشعوب احترامها بمجرد استدعاء أمجادها إنما تكسب مكانتها بما تنتجه من معرفة وما تقدمه من إسهام وما تحققه من استقرار وما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية من خير.

وليبيا التي تستطيع أن تحول ثروتها إلى نهضة علمية وصحراءها إلى مجال للطاقة المستدامة وسواحلها إلى جسور للتبادل وشبابها إلى قوة للابتكار ومؤسساتها إلى نماذج في الكفاءة والعدالة، تستطيع أن تقدم للعالم صورة مختلفة عن بلد لم تستنفد أزماته إمكاناته ولم تطفئ عثراته جذوة الحياة في أبنائه.

إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه ليبيا ليس أن تثبت للعالم أنها عظيمة وإنما أن تجعله يرى عظمتها فيما أصبحت عليه. أن تنتقل من الفخر بما قاومه الأجداد إلى الفخر بما يبنيه الأحفاد ومن ذاكرة الاستقلال إلى استقلال الإرادة والعقل والقرار ومن ثروة تختزنها الأرض إلى ثروة يصنعها الإنسان ومن وطن يستهلك طاقاته في صراعاته إلى وطن يستثمر طاقاته في الحياة.

يا أبناء ليبيا، ليس مطلوبا منكم أن تنكروا جراحكم ولا أن تتظاهروا بأن الطريق سهل ولا أن تستعيروا من الآخرين هوية لا تشبهكم. المطلوب أن تستعيدوا الإيمان بأنفسكم وأن تعرفوا أن ما يجمعكم أكبر مما يفرقكم وأن الوطن ليس إرثا نتسلمه من الماضي وإنما أمانة نتركها للمستقبل.

إن الأجيال القادمة لن تسألنا كم مرة تفاخرنا بتاريخنا وإنما ماذا صنعنا به، ولن تقيم محبتنا لليبيا بارتفاع أصواتنا وإنما بما حفظناه من كرامة الإنسان وما أقمناه من عدل وما شيدناه من علم وما تركناه من فرص لأطفال لم يولدوا بعد.

ليبيا ليست وعدا ضاع ولا حلما انتهى، ولا وطنا محكوما عليه أن يبقى في أسر عثراته. إنها وطن يستطيع أن يستعيد توازنه حين يستعيد الإنسان مكانته وأن ينهض حين تتحول إرادة أبنائه إلى مشروع مشترك وأن يصنع من تنوعه قوة ومن ثروته نهضة ومن تاريخه حكمة ومن أزماته بداية وعي جديد.

فليكن فخرنا بليبيا أكبر من أن تحبسه الشعارات وأعمق من أن تختزله الذكريات وأصدق من أن تفسده المبالغة وليكن إيماننا بها عملا يبني وعلما يضيء وعدلا ينصف وخلقا يرفع شأن الإنسان.

فالأوطان العظيمة لا تعيش على أمجادها إلى الأبد إنها تجدد عظمتها في كل جيل.

وليبيا التي حملت في ذاكرتها معنى المقاومة تستطيع أن تحمل في مستقبلها معنى النهضة، وليبيا التي حفظ أبناؤها كرامتهم في أشد الظروف قسوة تستطيع أن تبني دولة تصون كرامة كل إنسان يعيش على أرضها.

وحين يحدث ذلك لن تكون ليبيا عظيمة لأنها تقول إنها عظيمة وإنما لأن الإنسان فيها سيجد ما يليق بكرامته ولأن أبناءها سيصنعون بأيديهم ما يستحق الفخر، ولأن العالم سيرى في تجربتها دليلا جديدا على أن الشعوب يحدد مصيرها قدرتها على تحويل ما تملكه من قيم وموارد وطاقات إلى مستقبل يستحق الحياة.

تلك هي ليبيا التي تليق بتاريخها وتستحقها أجيالها ويمكن أن يقدمها أبناؤها للعالم وطنا لا يستجدي مكانته ولا يتنكر لجراحه ولا يتنازل عن إنسانيته وطنا يعرف من أين جاء ويدرك أين يقف ويملك الشجاعة ليقرر إلى أين يريد أن يصل.

*بلادنا عظيمة حفظها الله*

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

هاشم شليق

من الجماهيرية إلى الحوكمة الشعبية

هاشم شليق في ثورة 1789 الفرنسية كان الخبز هو المؤشر للوضع الاقتصادي..انتقل الأمر من سعر …