غزة: «الصباح» – بهاء طوباسي
تحل اليوم السابع من أكتوبر 2026 الذكرى الثالثة لاندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية الشاملة على قطاع غزة، وسط أوضاع إنسانية وصحية كارثية غير مسبوقة تعكس عمق المأساة الممتدة، والتي بدأت عقب تنفيذ حركة حماس لعملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من عدوان إسرائيلي واسع ومتواصل ألقى بظلاله الميدانية والسياسية والوجودية على كامل أرجاء القطاع.
شرارة الحرب الأولى
وكانت التطورات الميدانية قد انطلقت في مثل هذا اليوم السابع من أكتوبر عام 2023 بهجوم مباغت ومتزامن؛ حيث وُثّق إطلاق رشقة صاروخية مكثفة من قطاع غزة غطت مستوطنات الغلاف ومدن العمق الإسرائيلي في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، وترافق ذلك مع اقتحام بري وبحري وجوي نفذه مقاتلو الفصائل الفلسطينية للسياج الأمني الفاصل.
وعقب ساعات قليلة من هذه العملية، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إطلاق عملية عسكرية واسعة باسم «السيوف الحديدية»، بدأها بشن غارات جوية وقصف مدفعي عنيف وطوفاني طال مختلف محافظات وأحياء القطاع، مخلفاً منذ يومه الأول واقعاً عمرانياً وإنسانياً يصنفه الخبراء والمنظمات الدولية بالأشد قسوة وتدميراً في التاريخ الحديث.

انهيار القطاع الصحي
وفي تصريح خاص لـ«الصباح» مستجدات المشهد الصحي المتهالك والحصيلة التراكمية لضحايا هذه الإبادة منذ يومها الأول وحتى الآن، أكد مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أن المنظومة الطبية في القطاع باتت تعاني من انهيار وتوقف شبه كامل عن العمل؛ نتيجة للاستهداف المباشر والممنهج، ونفاد نحو 55% من قائمة الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية التي أصبح رصيدها «صفراً» بالكامل داخل المستشفيات، فضلاً عن الشح القاتل في الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية البديلة، وهو ما يفرض ضغطاً فائقاً وفوق طاقة الاحتمال على المستشفيات والمراكز الطبية القليلة المتبقية في الخدمة.
وأوضح أبو سلمية في حديثه المفصل أن إجمالي عدد ضحايا العدوان منذ شرارته الأولى قد ارتفع ليسجل حصيلة مفجعة بلغت 74,249 شهيداً —يُشكل الأطفال والنساء منهم النسبة الأعظم بما يتجاوز نصف الضحايا— بالإضافة إلى إصابة 175,267 مواطناً بجروح وتشوهات متفاوتة الخطورة، في حين قدمت الكوادر الطبية ضريبة باهظة باستشهاد مئات الكوادر الصحية أثناء تأديتهم لواجبهم الإنساني والأخلاقي داخل غرف العمليات وأقسام الطوارئ.

هدنة الخط الأصفر
وعلى الصعيد السياسي والميداني، ورغم مرور عام كامل على سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن رسمياً في 11 أكتوبر 2025، وإقرار ما عُرف بـ «الخط الأصفر» كمنطقة لإعادة الانتشار وترسيم الحدود العازلة والأمنية التي اشترط تراجع القوات الإسرائيلية إليها على أطراف القطاع، إلا أن المعطيات على الأرض تثبت تحول هذا الشريط إلى منطقة «موت دائم»؛ حيث تواصل الآليات الاحتلالية ومسيّراتها استهداف أي تحرك، مما يمنع آلاف السكان والنازحين قسراً من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم القريبة من الحدود.
وفي هذا السياق، كشفت البيانات الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة بالتعاون مع المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن «الهدنة المفترضة» لم تكن إلا غطاءً لخروقات إسرائيلية شبه يومية على مدار عام كامل؛ إذ أسفرت عمليات إطلاق النار والقصف المدفعي المباشر والغارات المتقطعة —سواء قرب مناطق «الخط الأصفر» أو حتى في عمق «المناطق الإنسانية المزعوم أمنها» في جنوب وغرب القطاع— عن استشهاد 1,462 فلسطينياً وإصابة 5,151 آخرين خلال فترة التهدئة المخترقة.

أما على الصعيد الإغاثي والمعيشي، فتظهر الأرقام لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بالتكامل مع التقارير الحكومية في غزة، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ تسببت الحرب وإحكام الحصار المطبق في النزوح القسري المتكرر لنحو 1.9 مليون مواطن (ما يعادل 85% من إجمالي سكان القطاع)، يعيش جلّهم تحت خط الفقر المدقع في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وسط تفاقم حاد لأزمة المجاعة وسوء التغذية ونقص مياه الشرب النظيفة، يضاف إلى ذلك الواقع العمراني المحطم جراء تضرر وتدمير أكثر من 70% من الوحدات السكنية والبنى التحتية وشبكات الطرق الحيوية، مما جعل القطاع منطقة غير صالحة للسكن البشري.

منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية