أجتماعيألرئيسيةفتحية الجديدى

عندما تسجن أحلام الأطفال وتُغتال الطفولة في الشوارع

«أطفال المتسولين» «حرمان.. وحاجة وتشرد»

مشاهدات : فتحية الجديدي

 

شاهدها تمسك عود شجر وتخط به التراب وتردد بعض الكلمات بصوت خافت، خلتها وهي تطرق مسامعي أنها أغنية لرسوم كرتونية متحركة، أو نشيد مدرسي قديم، وربما مقطع من أغاني الأطفال القديمة، كانت تنظر إلى البناء المقابل من المارة على جانب الطريق الأيمن نزولا لميدان القادسية، لفتني ما ترتديه هذه الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز من العمر ثماني سنوات تقريبا وفستانها الأحمر الصيفي المقطع الرث وجواربها السوداء البالية، وتضع رباط الرأس على كتفيها النحيلين لتغطيهم من البرد ذاك اليوم رغم شروق الشمس _لكننا في شهر مارس _ من المؤكد أن فصل الشتاء هذا العام لم يغادرنا بعد.

.. مررت بمحاذاتها حتى أنها نظرت إليّ بتساؤل في عينيها الصغيرين وكأنها تريد أن تقول شيئا.. لم أتردد في أن آخذ يمين الطريق وأنزل من سيارتي وأتقدم نحوها وإخبارها..

لم تلعبين وحدك هنا والمكان غير مناسب للعب بسبب وجود مخلفات البناء من ألواح وحديد وغيره .. أشارت بإصبعها نحو الجدار.. وقالت:

تلك أمي…

عدت لسيارتي وأنا أشاهد الأم التي تجلس متعبة وتطلب المساعدة من المارين وتتسول الحاجة لقوت يومها، لا أدري ظروفها، وما سبب وجودها في هذه المنطقة وتحديدا في هذا الشارع! ذهبت لمحل بيع المواد الغذائية يستفزني المنظر الذي جاء بمخيلتي بأن كل الأطفال وتحديدا في هذا الشارع الذي يمتلئ بالمقاهى والمطاعم وألعاب الأطفال .. هناك طفلة به لا تستطيع أن تأكل ولو قطعة بسكويت..!

عدت لها من الطريق الآخر أحمل لها ما حرمت منه ولو لساعات أو أيام أو أشهر وربما سنوات، لم أعد لها لأعطيها نقودا أو أسألها عن اسمها ومن تكون.. _لأنني أعرف أن هناك عشرات الأطفال بل مئات مثلها _ بل لأحمل لها ما يليق بسنها الصغير وحلمها البسيط في أن تحصل على قطعة شوكولاتة وباقي أحلامها مؤجلة ، كونها رهينة انتهاء هذه الحرب اللعينة.

لم أحرجها واكتفيت بابتسامة لأراها طفلة لديها من الطموح الكثير حتى وإن كانت ابنة امرأة متسولة!

عدت مرة أخرى للصندوق الآلي السيار الذي أرمي به كل حزني ودموعي وأثلجه بفرحي وسعادتي ونجاحي، غادرت الشارع بسيارتي … الشارع الذي مقته للحظة.

كيف يحوي مثل هذه الحالة وجميع القاطنين فيه هم من ذوي المستويات المادية الجيدة! الشارع المؤدي لمنطقة زاوية الدهماني والمتفرع من شارع الظهيرة وبن عاشور، كيف لوجود عائلة تتخذ جدار ورصيف بارد لها وبها ناس يحتسون القهوة ويأكلون الكيك المحلي _وأنا منهم _بكل أسف!

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أجفف خدي جراء مشاهده ولم يعد لخرَوجي من البيت ذاك اليوم أي داعي والاستمتاع أمام ما نراه على طرقاتنا الرئيسة كل يوم.

لماذا تحولوا أطفالنا إلى متسولين؟

لماذا تغتال الطفولة بهذه الطريقة دون أن يكون لمؤسسات المدنية أي دور؟

لماذا يتم التغاضي عن هذه الحالات؟ ولماذا لا تكون تحت رعاية الشؤون الاجتماعية؟

كيف يتركون الأطفال على الطرقات ويسمحون لهم بممارسة عمل التسول بدل أن يتعلموا مهارات أخرى مفيدة؟

لم لا يتم فتح ملف “أطفال المتسولين” ومحاولة إيجاد حل لهم، لأنهم أكثر عرضة للخطر؟

كيف يسمح لطفل لا يتعدى السادسة أو السابعة أن يقف بالقرب من السيارات ويكون عرضة لحوادث السير؟

التسول هل هو ظاهرة؟ أم حاجة فعلا بعد الوصول إلى مستوى الفقر لبعض الأسر _بكل أسف_؟

إن موضوع أطفال المتسولين ليس موضوعا اجتماعيا فقط ، بل هو موضوع قانوني وسياسي واقتصادي وثقافي أيضا، بات في بلادنا من أكثر الظواهر مشاهدة رغم تكرار طرحه في العديد من الوسائل الإعلامية، لكنه لم ينته، وخاصة وأننا نشاهد كل يوم ازدياد عدد المتسولين وبطرق مختلفة، وموضوعنا هذه المرة لم يكن طرحا لهذه الظاهرة، بل الجانب الأكثر إنسانية به وهو الأطفال!

ما نشاهده في الشوارع والمناطق تعدى المعقول وبات من الضروري التدخل السريع لإنقاذ هؤلاء المساكين من الأطفال الذين لا يعون معنى التشرد والحرمان بالرغم مما يحيط بهم من بؤس وحاجة، ومن المفترض أن تكون هناك موانع قانونية لتواجد الأطفال في الشارع للتسول، لأن التسول بكل بساطة ليس غرضا أو مطلبا، بل هو طريقة استعطاف للحصول على القوت.. وهنا الطفل تحول لأداة للعطف وجلب المال!

من الخطأ السكوت عن هذه الأفعال طالما أن هناك حقوقا تحمي الأطفال وتكفل لهم الرعاية والحماية.

نحن نسمع ونشاهد الاتفاقات الدولية التي تعقد مع بعض الجهات الاعتبارية في البلاد لدعم الطفل من منطلق الحقوق والمواثيق الدولية، لهذا من المفترض أن تشمل هؤلاء الأطفال، وألا تكون مجرد صفقات أو أعمال تضاف للتقارير ولمسودات الأعمال المختلفة لصالح الآخر ، لأننا نملك من المقدرة أن نتحمل المسؤولية على أقل تقدير حيال هذه الحالات الذين سيتحولون إلى أحداث اذا لم نأخذ بهم ونعيدهم لحياتهم الطبيعية.. ونحيدهم عن الخطر ونؤمن لهم العيش المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى