منصة الصباح
الدكتور عبدالكريم الزياني

حوار تيتيه.. زي ما رحتي زي ما جيتي

د. عبدالكريم الزياني

يبدو أن ليبيا أصبحت الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك مخزونا استراتيجيا لا ينضب من الحوارات وخارطات الطرق والمبادرات السياسية.

فكلما اعتقد الليبيون أن القطار اقترب أخيرا من محطة الانتخابات اكتشفوا أن ما وصل ليس سوى قطار آخر متجه إلى محطة انتقالية جديدة.

البيان الختامي للحوار المهيكل جاء محملا بالأهداف نفسها التي سمعها الليبيون حتى حفظوها عن ظهر قلب. سلطة تنفيذية موحدة وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وتعزيز الحوكمة وإجراء انتخابات وطنية. ولو جمعنا هذه العناوين من بيانات السنوات الماضية لأمكننا إصدار موسوعة كاملة بعنوان: “الأهداف العظيمة التي لم تغادر الورق”.

المشكلة أن ليبيا لا تعاني من نقص في التشخيص. الجميع يعرف المرض والجميع يتفق على الدواء والجميع يكتب الوصفة نفسها. لكن المريض ما زال في غرفة الانتظار منذ أكثر من عشر سنوات بينما الأطباء يتجادلون حول لون الغلاف الذي يجب أن توضع فيه الوصفة.

في كل مرة يخرج علينا مسار سياسي جديد يتم تقديمه باعتباره الحل التاريخي الأخير الذي سيطوي صفحة الأزمة إلى الأبد. ثم يكتشف الليبيون بعد أشهر أن “الحل النهائي” لم يكن سوى الحلقة الجديدة من مسلسل طويل تم تمديد عرضه لموسم إضافي. وهكذا أصبحت المرحلة الانتقالية في ليبيا أطول عمرا من بعض الدول الحديثة.

الطريف أن كل المبادرات تبدأ بعبارة “هذه المرة مختلفة”. لكن المواطن الليبي بات يعرف نهاية الفيلم قبل أن يبدأ العرض. حكومة جديدة ومجلس جديد ولجان جديدة ومواعيد جديدة ثم تأجيل جديد. حتى أصبح من حق المواطن أن يسأل: هل نحن نبني دولة أم نعيد تدوير الأجسام السياسية الصالحة للاستهلاك الانتقالي؟

البعثة الأممية تبدو أحيانا كمدير لمباراة لا يريد إطلاق صافرة النهاية. فبدلا من إنهاء المرحلة الانتقالية أصبحت تديرها وتعيد ترتيب تفاصيلها وتبدل مواقع اللاعبين فيها. وكلما اقترب موعد الحسم ظهرت مبادرة جديدة تمنح الأزمة فرصة إضافية للبقاء على قيد الحياة.

والأغرب أن الانتخابات أصبحت في الخطاب السياسي أشبه بالشخصية الغامضة التي يتحدث عنها الجميع ولا يراها أحد. الجميع يؤكد أنها قادمة والجميع يؤيدها والجميع يطالب بها لكن أحدا لا يعرف متى ستصل أو من سيضمن وصولها.

لقد تحول المواطن الليبي إلى خبير محترف في قراءة البيانات الختامية. فهو يعرف مسبقا أن البيان سيحتوي على كلمات مثل التوافق والشراكة والتوحيد والاستحقاق الوطني. كما يعرف مسبقا أن البيان القادم سيكرر الكلمات نفسها مع بعض التعديلات التجميلية.

الحقيقة أن ليبيا لا تعاني من نقص في الحوارات بل من تضخم فيها. فالحوار أصبح صناعة قائمة بذاتها لها مواسمها ولجانها وخبراؤها ومخرجاتها. أما النتائج فما زالت قيد التأجيل إلى إشعار آخر.
لقد سئم الليبيون من الحكومات المؤقتة والأجسام المؤقتة والحلول المؤقتة. حتى بات الشيء الدائم الوحيد في المشهد الليبي هو المؤقت نفسه. ولذلك لم يعد المواطن يبحث عن مبادرة جديدة أو خارطة طريق جديدة بل عن شيء أكثر بساطة: موعد انتخابي واضح لا يختفي عند أول منعطف سياسي.

فالشعوب لا تبني دولها بعدد البيانات الصادرة ولا بعدد الجلسات الحوارية ولا بعدد الصور الجماعية للمشاركين. الشعوب تبني دولها عندما تنتقل من الكلام إلى الفعل ومن إدارة الأزمة إلى إنهائها.

أما إذا استمرت الأمور على هذا النحو فسيبقى الليبيون يرددون المثل الذي يلخص المشهد كله بأقل عدد من الكلمات: حوار تيتيه… زي ما رحتي زي ما جيتي.

شاهد أيضاً

فرحة لاعبي السويحلي بتتويجهم بالدوري الليبي

السويحلي بطلاً للدوري الليبي للمرة الأولى

إعداد: عبدالسلام الشريف- تصوير حسن المجدوب وسيف الإسلام الطوير أصبحت اليوم الأحد جماهير السويحلي على …