منصة الصباح
د. علي عاشور

صَاحِبُ صَنْعَتِينْ… كَذَّابٌ

باختصار

يقول المثل الشعبي: (صاحب صنعتي نكذاب) … وهي عبارة تبدو للمرة الأولى حكمة تحذر الإنسان من أن يشغل في عملين في آن واحد، مخافة التشتت، وتدعوه إلى إتقان مهنة واحدة بدل أن يوزع جهده بين أكثر من مجال.

لكن، إذا أمعنا النظر فيها بعين التاريخ وتجارب الرجال العظماء، سنكتشف أنها ليست قاعدة، بل ربما تكون واحدة من تلك الأمثال التي ظلمت الإنسان أكثر مما نصحته.

فهل تعدد المواهب عيب؟ وهل يستطيع الإنسان أن يكون طبيبا وفيلسوفا في ذات الوقت، أو شاعرا وقاضيا، أو عالما ومؤرخا، ثم نقول له: اختر واحدة وإلا فأنت شخص كذاب؟ …

كما إن التاريخ العربي والإسلامي يقدم لنا إجابة مختلفة تماما، لنأخذ مثلاً العالم الموسوعي أبو الريحان البيروني…عالم جمع بين الفلك والرياضيات والجغرافيا والتاريخ واللغة والصيدلة، وترك منجزات علمية مهمة في جل هذه المجالات، ولم يكن تعدد اهتماماته سببا في ضعفه، بل أجرم أن هذا التعدد كان هو سر عبقريته.

وكذلك العالم العربي (ابن سينا)، الذي لم يكن طبيبا فحسب، بل كان فيلسوفا ومفكرا، فألف في الطب مؤلفه الشهير (القانون في الطب)، الذي ظل من الكتب الأساسية في تاريخ الطب.

ومثله ابن خلدون… فلم يقيد نفسه في خانة المؤرخ فحسب، فقد جمع بين التاريخ والسياسة والفكر الاجتماعي وتحليل الاقتصاد وعلم العمران البشري، حتى أصبحت أفكاره التي جمعها في (مقدمته) من اللبنات الأساسية والمبكرة في دراسة المجتمع والتاريخ دراسة تحليلية معمقة.

ولما نبتعد كثيراً، ففي ليبيا لدينا نموذج أوضح، هو الشاعر أحمد الشارف، فقد كان شاعرا وأديبا وفقيها وقاضياً… تولى القضاء في أكثر من منطقة، ثم تولى الإفتاء، وشغل مناصب قضائية رفيعة، ولم تمنعه هذه المجالات المتعددة من أن يكون له حضور أدبي وشعري بارز جمعه له المؤرخ والكاتب الكبير علي مصطفى المصراتي.

إذنً، المشكلة -في اعتقادي على الأقل – ليست في أن يمتلك الإنسان أكثر من صنعة، وإنما في أن يدعي إتقان ما لا يتقنه، هناك فرق شاسع بين تعدد المواهب وادعاء المعرفة.

إنسان يتعلم ويجتهدويقرأ ويمارس أكثر من مجال، ثم ينجح فيها كلها، هذا ليس كذاباً، بل إنسان واسع الأفق… أما من يتحدث في كل شيء بلا علم أو دراية، فذلك هو الذي يستحق التحذير منه، ولعل القول الأدق الذي نحتاجه اليوم ليس (صاحب صنعتين كذاب)، وإنما صاحب المواهب المتعددة إن أتقنها… أضاف إلى الحياة أكثر مما أضاف صاحب الموهبة الواحدة.

فلا تجعلوا الأمثال الشعبية سقفا لطموح الإنسان، فالكثير من أمثالنا الشعبية يجب أن ترمى في البحر، فقدظهرت في زمن محدود المعرفة، أما الإنسان فقد خلق بعقل لا يعرف الحدود… فليس العيب أن تكون لك أكثر من صنعة… بل العيب أن تكون بلا صنعة، ثم تتحدث في كل شيء… وهذا ما يعاني منه مجتمعنا اليوم.

 بقلم: د. علي عاشور

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

إدارة الأزمات وصناعة المستقبل

أحلام محمد الكميشي المجتمعات التي تتكرر معاناتها بتكرار الأزمات تكون مشكلتها الأساسية أنها تواجهها فرادى، …