ألرئيسيةالأخيرةجمال الزائديرأي

صناعة المتعة

جمال الزائدي

كالكثيرين أعتقد أن الوظيفة الأساسية للأدب هي المتعة أولا ..هذا لا يعني التقليل من خطورة المهمة الثقافية والاجتماعية التي يتحملها الأدب في السياق العام ، بيد أن ما  يهم هنا على مر الأزمنة  ليس ما يقال ولكن كيف يقال على رأي عبد القاهر الجرجاني وقبيلة النقاد قديما وحديثا ..

يمكنني الاكتفاء بثلاثة أمثلة لتعزيز هذا الاعتقاد ..

الحياة التي تصورها رواية من روايات نجيب محفوظ الواقعية يمكنك أن تتعرف على تفاصيلها في اي حارة من حواري مصر المحروسة في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم  ..

ما جلب نوبل لمحفوظ ليس ذلك البؤس الذي يكتظ به الشارع المصري في طبقاته الشعبية المسحوقة وتسجله السينما والصحافة والتلفزيون لكنها العبقرية اللاقطة التي عرفت كيف تحول مفردات الحياة العادية إلى لغة وارفة تسلب الألباب وتثير الخيال وتحصد إعجاب الملايين ممن ينتمون إلى  ثقافات وحضارات أخرى لا تتحدث العربية أساسا ..

الخلود الذي حازته روايات جابرييل غارسيا ماركيز رائد الواقعية السحرية ، لم يكن بفضل الخرافات والأساطير التي كان يرويها له جده الكولونيل  المتقاعد ، فهذه كانت جزء من التراث الكولومبي الشفاهي وما كان لأحد خارج حدود مدينة اركاتاكا ان يسمع عنها شيئا لولا الحيوية التي اضفاها عليها “غابو ” في مائة عام من العزلة والحب في زمن الكوليرا وقصة موت معلن وخريف البطريرك  بأسلوبه المتفرد الذي شرع عصرا جديدا في بناء الرواية التي ظلت حتى وقت قريب جدا صوتا أوروبيا غريبا بلا شبيه ..

قبلهما فيلسوف الرواية وروائي الفلسفة نيكوس كازنتزاكس الذي جعل من القص والحكي عملا خارقا يشترك فيه العقل والقلب والروح ليسكب ذوب الخيال في قوالب فنية مدهشة ، ك ” زوربا اليوناني ” و ” جسر على نهر ادرينا” و ” الإغواء الأخير للمسيح ” وعشرات العناوين الأخرى التي وهبتنا المتعة الفنية ببذخ وكرم متناهيين قبل ان تكون مخزنا دائما للمعرفة والفكر الإنساني الأصيل..

في تقرير إلى غريكو..سيرة كازنتزاكس الذاتية تحدث الروائي الفيلسوف عن جذوره الثقافية والعرقية واسلافه من المفكرين والفلاسفة والانبياء والمحاربين بلغة هي أقرب إلى الفانتازيا خالية تماما من التقريرية التي تميز السير الذاتية عادة .. لقد طارد عصفور المتعة في الكتابة حتى وهو يتحدث عن حياته العادية في نهاية المحطة..

انه يعرف كما عرف اشقاؤه من صناع البهجة ان المهم ليس ان تقول ..ولكن كيف تقول ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى