ألرئيسيةفتحية الجديدى

سارق الطماطم .. الصادق بن مهني .. حالة قصصية متفردة لنبل نضالي ثمنه العتمة

الجزء الأول 

قراءة : فتحية الجديدي

تجربة سجن غنية ترجم فيها الشاب – الذي أقصيت أحلامه على مفترق الطرق بين الكدّ والعمل ونجاحه المنتظر في عيني أمه في أن يصبح كاتبا مهما في حقل مليء بالبؤس والطواعية – رفضه القاطع للقمع والاضطهاد بزمن الفكر الحر والعقل المستنير، مع وصفه لبعض القراءات من خلال عمله في مؤسسة عمومية كخطاط..
الحائز على جائزة مازيغ للترجمة 2017
عقل في زنزانته الباردة بين الخلاص والمصيبة , سرد بصمته تعامل الجلادين وضغينة القضاة ووشوشات بدنه المنهك ضربا وصوت عقله بأن اللحظات المجتمعة برفاقه في دار التنظيم التي باتت مهجورة هي ما تشد ذاكرته حين يلتفت ويشتم رائحة الزهر, وكيف جعلته لا يوقع على محضر الشرطة في كشف العلاقة المغمورة بالنبل النضالي الذي استسقاء صبره من صور شخوصها، ورشفات قهوة محاميه الصادقة، والعفو الصادر من عيني أمه بأنه صادق في الإشارة وأن هنا سيكون محبسه يوما.
الكاتب.. الذي لون (تابلو) تجربته وهو بثيابه الممزقة وانقياده من الداخلية للسجن والتحقيقات الجارية حينها كان معلق بجدار مكتب التحقيق الفخم، ويداه المتورمتان وهو يحمل القفة والكتب أثناء الزيارة, هي التي زهت بها حكايته الأولى وهو يطالع كل الذين حوله.
الكاتب وضع أشكال العنف والتعذيب في قالب قصصي مشوق بعيدا عن المتاجرة بالمشاعر وكان ألمه ووجعه حالة قصصية متفردة ونحن نطالع التطورات داخل الزنزانة التي تعج بالروائح الكريهة وأصوات العسس الفجة منفذي الأوامر بالدخول لظلمة صغيرة على أعواد الحلفاء من استراحة تنتهي بكوبونات الطعام المهمل…
سارق الطماطم أو زادني الحبس عمرا
(الصادق بن مهني) كتاب دشن مرحلة عمرية أخرى لرجل قبض عليه في زقاق , ليس لأنه تعثر في نعله الضيق الذي ورثه من أبيه, بل لأن صورة رفيقه لم تغادره كما بقيت في ذاكرته نصائح والده بأن لا يعترف بعمل قام به من أجل الحق.
قصة متكاملة لتجربة سارق لم يسرق ومحرر لم يظلم بل كان منظماً في أفكاره كخطواته نحو التحرر مع رفاقه الذي لا يزال يراهم .. وحبل المشقة التي تلتف حول عنق الحطاب والوافد الجديد لرواق الزنزانات الانفرادية الهادي الشنوفي وانتحار الشاب طالبا أداة لمغادرة العتمة قبل إنقاذه ووحش الضمير الذي استفاق عليه الحارس الصغير ومحاولة إسكاته بقطع الكتاب بعد تقطيعه ليمر من ثقوب الزنزانة، وهمد الليل الذي لا يفارقه ليل آخر متذكرا أول قفة كان صاحبها حامي الكلى (المعدنوس) , وهو الوصفة التي حسبها من عزيزة
سياق ليس درامي مع أمن الدولة ودجاجة (سلامة) الرافض لمسميات ربما لأنه مطابقة، والقوة البدنية للمنحي صاحب القذفة الحديدية وحالة الرفض عند سجيننا السياسي كانت ملازمة لإحراج الساسة ومطبطبة على الحراس وخدام السجون.
عاشر الموت وكان قويا حيا.. مع توالي الزيارات ومحاولات أبيه بالوعود، وكرم الجلادين وسخاء أمن الدولة الذين أضافوا لسنوات سجنه سنتين أخريين…
حكاية بت أفهمها وأفك طلاسمها مع سرده غير المستجدي للعاطفة خلال أورقه حتى أنه لم تغب الدعابة بين صفحاتها وهو يقاد للداخلية مرة أخرى للتحقيق.
خروجه من السجن لم يكن إلا حالة أخرى من تجربته وهو يوقع على العفو من سيده.. التونسي متغير النزعة عنه .. لكنه أحاط اهتمامنا مع فريق من الصحفيين.. وهنا بدأت حكايته ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى