ألرئيسيةالثقافية

رجال في الشاحنة

كريستوفر وودز (*)

ترجمة/ عمر أبوالقاسم الككلي

علمت أنهم بالقرب. كانوا بالقرب، طوال ما بعد الظهيرة. ثمة شيء ما بالهواء. في وقت أبكر، من هذا الصباح، في واقع الأمر. دار بعض الكلام حولهم. شخص ما كان قد رآهم فجرا في حي مجاور.

خفض الناس من أصواتهم عند نصبة الخضار التي بشارعي. سيأتون اليوم، قالت امرأة وهي تلتقط الطماطم في فتور. قالت إنه يوم عيد ميلاد ابنها، ثم شرعت تبكي. لم يقل أحد شيئا إزاء ذلك. هز الناس رؤوسهم ثم أشاحوا بعيدا بوجوه رخامية. تيبست بشرتي، وسررت لأنني لم أشعر بنبضات قلبي.

فيما بعد، مع تقدم المساء، جاءت الرائحة عبر خشب نوافذي المغلقة. كنت أجلس في الظلمة، على حافة سريري. لا أفعل الكثير. أتوقع، هذا مؤكد. لابد وأنني كنت في منتصف شيء ما. كتابة رسالة. قصيدة. كتابة وصية. كل ذلك في رأسي.

وأيا كان ما كنت أفعله، فقد توقفت. كانت الرائحة كالأثير. دبقة. إذا ما كان ممكنا لرائحة وحدها أن تقتل الحواس، فهذه هي. جلست في الظلمة غير قادر على الحركة، كمن عاد إلى الحياة توا. انتظرت أن يزول ذلك. انتظرت سماع الرجال الذين في الشاحنة وهم يمرون تحت، أن يفرغوا من شارعنا.

طرقة على الباب. طرقتان. ثم، في النهاية، اقتحمت صاحبة البيت، الحبيبة العجوز، الغرفة. كانت عيناها ضاريتين، كالبقرة الخائفة. إنهم يتنقلون من بيت إلى بيت الليلة، قالت. كان صوتها متهدجا. ثمة شيء جديد، حتى بالنسبة إليهم، قلت. أجل، قالت. أجل.

ولكنهم لم يأتوا إلى بابي إلا بعيد منتصف الليل. لم أحاول إيقافهم. كنت قد تركت الباب مواربا، في محاولة للقول بأنه ليس لدي ما أخفيه. سمعت جارتي الأرملة تترجاهم ألا يرشوا صورها، ومجوهراتها الزائفة القديمة. ثم سمعت ضجة اصطفاق، كما لو أن شيئا هشا كان يطير. ثم ارتطاما عاليا، كما لو أنها سقطت على الأرض. تم ذلك في هدوء شديد.

دخلوا، حوالي ستة، مرتدين أقنعة. من طراز جنود العاصفة(1) الضخام. كان اثنان منهم يحملان علب الرش. شرع الآخرون يحفرون، يجوسون المكان. يمكن أن يكونوا يبحثون عن كل شيء، كنت أعرف ذلك. تركتهم يفعلون. لست خجلا من قول هذا. لم أعترض على أي شيء.

ما هذه الكتب، رغب أحدهم في أن يعرف. أية كتب، سألته. معظمها، ربما، شخر. لا، كلها، قال آخر. قبل أن أتمكن من قول أي شيء، انهمكوا في العمل.

حملوا حضنات كبيرة من الكتب و ألقوا بها إلى الأرض. بعنف، كما لو كانوا يريدون القضاء عليها. رفعوا علب الرش عاليا ورشوا تلك الكتب بالكامل. فكرت بأنني سأظل، ما بقيت حيا وأقرأ، أشم هذه الليلة.

كانت الرائحة قوية تماما. كنت ممتلئا بها. شعرت بأنني رجل من المطاط اللدن. فكرت في الأرملة وهي تسقط في البيت المجاور. تساءلت ما إذا كانت قد استيقظت. لابد أنني قد أغمي علي. لم أسمع الرجال يغادرون. لم أسمع شاحنتهم تغادر شارعنا.

(*) Christopher Woods أديب أمريكي.

 (1) storm trooper أو قوات الصدمة إسم كان يطلق، بوجه خاص، على الميليشيا النازية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى