حنان الشويهدي: الفيلم لم يعد مجرد عمل سينمائي.. بل أصبح أمانةً ووثيقةً للأجيال القادمة.
الصباح /خاص .
لم تأتِ «ذاكرة الرمال» من رغبة في استعادة الماضي لمجرد استحضاره، بل من شغفٍ بالتاريخ تحول إلى مشروع وثائقي يحمل سؤال الذاكرة ومسؤولية حمايتها من الغياب. بدأ الفيلم حلمًا لدى الزميل محمد البرغثي، قبل أن يصبح حلمًا مشتركًا مع الممثلة والمشرفة العامة على العمل حنان الشويهدي، التي شاركت في رحلة البحث والتحضير والتصوير حتى اكتمل الفيلم في النصف الأول من عام 2025.
لكن اكتمال الفيلم لم يكن نهاية الحكاية؛ فقد ظل العمل ينتظر لحظة وصوله إلى الشاشة، لتتغير معه نظرة فريقه إليه، من مشروع سينمائي أُنجز إلى وثيقة تحمل أمانة الذاكرة. وتزداد هذه الأمانة ثقلًا مع حضور الدكتور يوسف سالم البرغثي في الفيلم، قبل أن يرحل دون أن يشاهد ثمرة ما ساهم فيه.
ومع اقتراب عرض «ذاكرة الرمال»، تفتح حنان الشويهدي الحديث عن رحلة الفيلم، وتحديات التعامل مع ذاكرة قاسية، وحضور يوسف البرغثي، وصولًا إلى دلالة اختيار سبتمبر موعدًا للبث.

من حلمٍ إلى وثيقة
الفيلم أُنجز في النصف الأول من 2025، لكنه يصل إلى الشاشة الآن، ماذا تغيّر في إحساسك تجاه الفيلم منذ لحظة إنجازه حتى لحظة عرضه؟
كان الفيلم حُلماً لشريكي في العمل، الزميل محمد البرغثي، الذي استفدتُ منه كثيراً في عالم صناعة الأفلام الوثائقية، فهو مهتم بالتاريخ ولديه العديد من الأفكار المميزة. وما لبث أن أصبح هذا الحلم مشتركاً بيننا، حيث زادت حالة الشغف بالتاريخ لدينا، فأصبحنا نهتم كثيراً بحضور النشاطات والندوات، ونقتني الكتب والمصادر التي تساعدنا في البحث والتحضير والتجهيز مع فريقنا الفني والتقني.
والحقيقة أن تنفيذه لم يكن سهلاً على الإطلاق. وعندما انتهينا من إنجازه في النصف الأول من عام 2025، كان يغمرنا شعور بالارتياح لأننا نجحنا أخيراً في تحويل هذا الحلم إلى واقع ملموس، وتوثيق مستحَقٍّ لجريمة ربما لم يسمع بها أغلب أبناء جيلنا والأجيال التي بعدنا.

ومع حلول يوم بثه على الشاشة هذا الشهر من عام 2026، يتملكنا شعورٌ بالفخر والمسؤولية؛ فالوقت الذي مضى جعلنا ندرك أن الفيلم لم يعد مجرد عمل سينمائي في سجل أعمال شركتنا، بل أصبح أمانة ووثيقة تاريخية نقدمها للأجيال القادمة، لتذكيرهم بمأساة الإبادة التي تعرض لها شعبنا في ليبيا، وتحديداً برقة.
بين فداحة المأساة وصدق الصورة.
كيف حافظتِ وأنتِ في موقع الإشراف العام، على التوازن بين قسوة الذاكرة التاريخية وبين مسؤولية تقديمها للمشاهد دون مبالغة أو اختزال؟
الحفاظ على هذا التوازن كان التحدي الأكبر لنا؛ فقسوة تلك الحقبة واضحة ولا تحتاج إلى مبالغة، وبالمقابل لا يمكننا اختزال مأساة الأجداد بسهولة، فالموضوع ذو شجن وعمق.
لذلك اعتمدنا في الإشراف العام على استراتيجية الواقعية الموثقة، فدمجنا بين الأرشيف الإيطالي المتنوع من صور وفيديوهات، وبين الشهادات الحية لآخر الناجين، والذي توفي أحدهم بعد تصوير الفيلم بفترة. وللعلم، تقريباً كل الناجين من المعتقلات توفاهم الله، فكانت هناك صعوبة في البحث عن ناجين ما زالوا على قيد الحياة، بالإضافة إلى شهادات المؤرخين الذين شاركونا كضيوف، والذين نوجه لهم خالص الشكر وعظيم الامتنان لتعاونهم معنا، إلى جانب حوارنا مع باحثة إيطالية مناهضة للفاشية، لنحاول أن نقدم طرحاً موضوعياً متكاملاً.
وحتى في المشاهد التي أعدنا تجسيدها سينمائياً، كترحيل الأهالي ومشاهد التعذيب، أو إعادة بناء معتقل العقيلة بتقنية الـCGI، كان تركيزنا على الرمزية الفنية، محاولين إيصال الصورة واضحة وبشكل فني يليق بالمشاهد.
يوسف البرغثي.. بوصلة الفيلم.
يحضر الدكتور يوسف سالم البرغثي في الفيلم اليوم، رغم غيابه عن لحظة عرضه؛ هل شعرتِ أثناء إنجاز العمل أنكم لا توثقون فقط جريمة تاريخية، بل تحملون أيضًا أمانة حلم رجل رحل قبل أن يرى ثمرة ما ساهم فيه؟
بكل تأكيد، كان حضور الدكتور يوسف البرغثي معنا يمثل البوصلة الفكرية للعمل. الدكتور يوسف لم يكن مجرد مؤرخ نستعين بشهادته، بل كان يحمل حلم توثيق هذه الذاكرة وحمايتها من النسيان بكل جوارحه.

وأثناء مراحل البحث والتصوير، كنا نشعر بسباق مع الزمن لتوثيق شهادات القامات التاريخية وآخر الناجين، ورحيله قبل أن يرى العمل النور جعلنا نشعر بالحزن وثقل الأمانة؛ فالفيلم اليوم لا يوثق الجريمة التاريخية لبرقة فحسب، بل هو تحية وفاء وثمرة لحلم رجل قدّم الكثير للمكتبة التاريخية الليبية، ورحل تاركاً أمانته بين أيدينا لكي يراها العالم.
سبتمبر.. موعدٌ يحمل ذاكرة الشهيد.
اخترتم أن تتزامن الشاشة الأولى للفيلم مع سبتمبر، الشهر المرتبط بذكرى استشهاد عمر المختار؛ هل كان هذا التوقيت بالنسبة لكم مجرد موعد للعرض، أم محاولة لاستعادة جزء من الذاكرة الليبية في لحظة رمزية شديدة الدلالة؟
لم يكن سبتمبر مجرد موعد عادي للبث، بل كان خياراً استراتيجياً متعمداً منذ بداية التحضير للمشروع. اختيار هذا التوقيت بالتحديد يرجع لكونه يوافق ذكرى إعدام شيخ الشهداء عمر المختار في معتقل سلوق، وتحديداً يوم الأربعاء 16 سبتمبر 1931، وهو ذاته يوم الشهيد الوطني، يوم عطلة رسمية في ليبيا.
وبما أن الفيلم يضم مشهداً درامياً يُجسّد تلك اللحظة التاريخية، فإن عرضه في هذا الوقت يمثل لحظة رمزية شديدة الدلالة لربط الأجيال الجديدة بجذورهم وتضحيات أجدادهم، ومحاولة جادة لإحياء الذاكرة الوطنية والتأمل في حجم المأساة والصمود الذي عاشه شعب برقة.
«ذاكرة الرمال».. أصواتٌ تستعيد ما كاد يغيب
لا يكتفي «ذاكرة الرمال – المعتقلات الفاشية في برقة» باستعادة وقائع مرحلة قاسية من التاريخ الليبي، بل يفتح مساحة للشهادات الإنسانية والبحث التاريخي، جامعًا بين روايات الباحثين والمؤرخين وشهادات الناجين، إلى جانب المادة الأرشيفية وإعادة تجسيد عدد من الوقائع سينمائيًا، في محاولة لاستعادة صورة المعتقلات الفاشية في برقة وإيصالها إلى أجيال لم تعش تلك الأحداث.
ويضم الفيلم شهادات عدد من الباحثين والشخصيات، من بينهم عيسى القاضي، وفرج نجم، والدكتور علي الحاسي، والحاجة رقبة محمد الزوي، وماريا لويزا، وأسامة بركة، ومنصور درميش، وسهى الهوني، إلى جانب الحاج سليمان العبيدي، أحد آخر الناجين من المعتقلات، الذي سجّل شهادته قبل رحيله، لتبقى شهادته جزءًا من ذاكرة الفيلم وذاكرة الضحايا.
ويعتمد العمل كذلك على مواد أرشيفية ومشاهد أُعيد بناؤها دراميًا، من بينها ترحيل الأهالي ومشاهد التعذيب، فضلًا عن إعادة بناء معتقل العقيلة بتقنية الـCGI، بما يمنح الوثيقة التاريخية بعدًا بصريًا يقرب تفاصيلها من المشاهد.
ويُعرض «ذاكرة الرمال» عبر قناة الجزيرة الوثائقية في 17 سبتمبر، عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت ليبيا، في عمل يسعى إلى أن يجعل من الشاشة مساحة لاستعادة الذاكرة.
«ذاكرة الرمال».. الذاكرة حين تصبح أمانة
هكذا تتقاطع في «ذاكرة الرمال» ثلاثة مسارات: حلم بدأ من شغف بالتاريخ، وذاكرة جرى توثيقها قبل أن يغادر آخر شهودها، وأمانة حملها فريق العمل إلى الشاشة. وبينما يقترب الفيلم من جمهوره، يبدو السؤال الأهم ليس فقط ماذا سيعرض، بل ماذا سيبقى منه بعد انتهاء العرض؛ فبعض الأفلام تنتهي عند شارة النهاية، بينما تبدأ قيمة أفلام أخرى من اللحظة التي تنطفئ فيها الشاشة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية