الصباح / حنان علي كابو
ما تنفك منظمة براح للثقافة والفنون، كعادتها، تغدق على المشهد الثقافي في بنغازي بمناشطها المميزة والهادفة، التي لا ترتقي بالذوق العام وتثري الذائقة الفنية فحسب، بل تفتح هذه المرة أشرعتها أيضًا للعمل الإنساني، عبر احتضانها معرض “ضمير مستتر”، المعرض التشكيلي الرابع للفنانة التشكيلية والمصورة الليبية دينا القلال.
فضاء يختبر زائره
لا يبدأ الدخول إلى المعرض بخطوة عادية، بل بشيء يشبه التردد أمام باب ذاكرة مفتوح على نصف ضوء، كأن المكان لا ينتظر زائره، بل يختبره أولًا: هل أنت مستعد لرؤية ما لا يُقال؟
منذ اللحظة الأولى، يتخلى الفضاء عن حياده، لا جدران صامتة هنا، بل بقايا حياة أُعيد ترتيبها لتُرى من جديد. أريكة تركت كأنها خرج لتوّها من جملة لم تكتمل، أرض مثقلة بالغبار كأنها تحفظ أثر خطوات لم تعد تعود، وصفيح لسقف معتّق ينهشه الصدأ ببطء يشبه النسيان وهو يعمل.
في زاوية ما، تمر أقدام حافية دون صوت، لا تعرف إن كانت داخلة أم خارجة، واقفة أم تبحث عن شيء ما، لكنك تشعر أنها لا تزال تفتش عن شيء فقدته في منتصف الطريق.
ثم هناك شباك معلّق على الجدار، لا يطل على الخارج، بل يعيد العين إلى الداخل، وإلى جواره ثريّا قديمة تتدلّى من السقف كجملة من زمن آخر، لا يزال شحوبها كافيًا لا لطمأنة المكان، بل لكشف ما تبقّى منه.
في هذا المشهد، لا تبدو الصورة التقاطه فحسب ، بل أثرًا يشبه الذاكرة حين تُجبر على أن تصبح مرئية، لا جمال يُقدَّم هنا بمعناه المعتاد، بل طبقات من المعنى تتراكم فوق بعضها مثل بقايا حياة لم تُغلق أبوابها جيدًا.
من الصورة إلى المعنى
في قلب هذا التكوين تقف دينا القلال، لتحشد صورها وأدواتها وخيالها وتسكبه في قاع من الجمال، فمنذ عام 2019 وهي تتحرك داخل مساحة تجمع بين الفوتوغرافيا و”المكسد ميديا” والمذكرات اليدوية، محاولة التقاط شيء لا يُلتقط إلا بتعدد الوسائط: أثر الشعور حين يتحول إلى مادة.
وتقول دينا إن عنوان المعرض يصف “وضعًا إنسانيًا بحتًا”، ويحمل معنيين متداخلين؛ الأول هو الإسقاط النحوي للضمير المستتر، أي الشخص الموجود لكنه غير الظاهر، بينما يتمثل المعنى الثاني في إسقاط على الضمير الإنساني ذاته. وترى أن المعرض دعوة لأن يرى المشاهد ما هو “مستتر” خلف التفاصيل، وأن يستشعر أبعادًا إنسانية قد نغفل عنها أحيانًا وسط ضجيج الحياة، وهو ما حاولت التعبير عنه أيضًا عبر الفيديو التشويقي للمعرض.
في أعمالها السابقة “الحرب مرّت من هنا”، لم تكن الكاميرا مجرد عين ترى، بل ذاكرة تصطدم بما تراه. هناك، لم تكن الحرب حدثًا بعيدًا، بل شيئًا دخل البيت وترك على الجدران ما يشبه الارتباك الدائم في الذاكرة.
أما هنا، في “ضمير مستتر”، فليس السؤال عن الحرب، بل عمّا يتركه المرض بعده دون أن يُسمّى. عن ذلك الذي لا يظهر لكنه لا يغادر. عن الأشياء حين تبدو عادية لكنها تخبئ داخلها حياة كاملة لم تُحكَ بعد.
العنوان نفسه يمضي في هذا الاتجاه؛ “ضمير” كشيء داخلي لا يُرى، و”مستتر” كوجود يختبئ دون أن يختفي. وبين الكلمتين، تتسع مساحة المعرض كلها.
الفن كرسالة إنسانية
وفي حديثها عن تنوع الوسائط داخل المعرض، توضّح دينا أن التصوير الفوتوغرافي و”المكسد ميديا” والمذكرات اليدوية تلتقي جميعها تحت مظلة الفنون البصرية، بوصفها كل ما يمكن النظر إليه والتأمل فيه، سواء حمل رسالة إنسانية أو جاء في صورة عمل فني. وتضيف أنها وظّفت هذا التنوع بين اللوحات والمذكرات اليدوية المصممة خصيصًا للاقتناء، لتكون وسيلة لدعم العمل الخيري وتحقيق الهدف الإنساني الذي عبّرت عنه الصور الفوتوغرافية.
في الداخل، لا تتجاور الأشياء مصادفة. عين حصان تحدق في الجمهور ، وعيون قطة تتسلل من الأطراف كأنها تعرف ما لا نقوله، وأغلفة كتب تحمل شفرات وكلمات متباعدة، كأن اللغة نفسها فقدت ترتيبها لكنها لم تفقد رغبتها في الكلام.
حتى الورق هنا ليس ورقًا، النوتات الموسيقية القديمة والمجعدة تتحول إلى وجوه وملامح بشرية، كأن الصوت حين يُطوى يتحول إلى شكل يمكن رؤيته. كأن الموسيقى لم تختفِ، بل تغيّرت طريقة وجودها.
وتقف منارة سيدي اخريبيش ملوحة ضوءها لمن هو قادم من بعيد ،تمنحها مياه الصابري أمانا واطمئنانا.
وفي لحظة غير متوقعة، يدخل الصوت إلى الصورة. طقم طبول يقف داخل الفضاء كأنه ليس آلة، بل نبض بصري. الإيقاع هنا لا يُسمع فقط، بل يُرى أيضًا، كأنه يحاول أن يذكّر المكان بأنه لا يزال حيًّا.وخلف هذا كله، هناك طبقة أخرى أكثر هدوءًا من أي شيء مرئي. فهذا المعرض ليس منفصلًا عن الحياة، ريع الأعمال مخصص لدعم العائلات المحتاجة ومرضى السرطان، في امتداد لتجربة شخصية مع المرض داخل عائلة الفنانة بعد فقد والدها. وهناك، يصبح الألم ليس موضوعًا فنيًا، بل سببًا لقول الفن من جديد.
وتقول دينا إنها تحاول من خلال أعمالها، كلما استطاعت، إيصال رسالة إنسانية تؤمن بها، كما فعلت في معارضها السابقة مثل “الحرب مرّت من هنا” و”انعكاس”. وتضيف أن تجربة المرض داخل عائلتها، وما عاشته من شعور بالعجز أمام معاناة والدها مع السرطان رغم توفر العلاج، جعلتها أكثر إحساسًا بألم من لا يستطيعون توفير العلاج بسبب تكلفته الباهظة.
وترى أن أقل ما يمكن أن تقدمه هو إهداء هذا العمل لوالدها، الذي علّمها معنى العطاء دون انتظار مقابل، وكان دائم الفخر بتجربتها الفنية وتشجيعها بكل الطرق الممكنة، راجية أن يكون هذا المعرض رحمةً لروحه وفي ميزان حسناته.
وحين تخرج من المعرض، لا تشعر أنك انتهيت منه، بل تشعر أن شيئًا ما خرج معك دون أن تراه. كأن “ضمير مستتر” لم يكن معرضًا فحسب، بل طريقة مؤقتة لرؤية العالم… ثم استعادها منك بهدوء.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية










