منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الإجهاد الحراري الصامت

د.علي المبروك أبوقرين

في زمن تتصاعد فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وتتكرر فيه موجات الحر القاسية مصحوبة أحيانًا بانقطاع التيار الكهربائي، لم يعد الخطر الصحي مرتبطًا بالتعرض المباشر لأشعة الشمس إنما أصبح يتسلل بصمت إلى داخل البيوت المغلقة، حيث يتحول الهواء الساكن والحرارة المختزنة إلى تهديد خفي، خصوصًا على كبار السن والأطفال والمرضى المزمنين. تؤكد الأدلة العلمية الصادرة عن مراكز معروفة ومنها منظمة الصحة العالمية (WHO) ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن كبار السن هم الفئة الأكثر عرضة للإصابات المرتبطة بالحرارة، حتى وإن لم يغادروا منازلهم. والسبب في ذلك لا يعود إلى عامل خارجي فقط ولكن إلى تغيرات بيولوجية عميقة ترافق التقدم في العمر، تجعل أجسادهم أقل قدرة على التكيف مع الإجهاد الحراري. مع التقدم في السن تضعف آلية الإحساس بالعطش نتيجة تغيرات في مراكز التنظيم في الدماغ، فيفقد الجسم أحد أهم إنذاراته المبكرة للجفاف. وتشير الدراسات إلى أن كبار السن لا يشعرون بالحاجة إلى شرب الماء بنفس الكفاءة التي يتمتع بها الشباب، ما يؤدي إلى حالة الجفاف الصامت التي قد تتفاقم دون أن يلاحظها أحد. وفي الوقت ذاته، تقل كفاءة التعرق وهي الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها الجسم لتبديد الحرارة، نتيجة انخفاض نشاط الغدد العرقية وضعف الاستجابة العصبية والوعائية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذ إن العديد من كبار السن يعانون من أمراض مزمنة مثل أمراض القلب والكلى والسكري، وهي حالات تقلل من قدرة الجسم على تحمل نقص السوائل وارتفاع الحرارة. كما أن استخدام أدوية شائعة كمدرات البول وأدوية الضغط وبعض مضادات الاكتئاب يسرع فقدان السوائل والأملاح، ويزيد من خطر حدوث اضطرابات خطيرة في الدورة الدموية ووظائف الكلى. ولذلك قد يصبح البيت غير المكيف بيئة خطرة بحد ذاتها. فوفقًا لتقارير CDC، فإن البقاء في أماكن غير مكيفة خلال موجات الحر الشديدة يزيد بشكل ملحوظ من معدلات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس. كما أن الاعتماد على المراوح وحدها لا يوفر حماية كافية عند ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، إذ قد تزيد من فقدان السوائل دون خفض فعلي في درجة حرارة الجسم. وتشير الإحصاءات إلى أن موجات الحر ليست مجرد ظاهرة مناخية عابرة إنما كارثة صحية صامتة، فقد تسببت موجة الحر الأوروبية عام 2003 في الآلاف من الوفيات، كان معظم ضحاياها من كبار السن الذين كانوا داخل منازلهم. وهذا يعكس حقيقة خطيرة أن الخطر الحقيقي لا يُرى دائمًا، ولا يُشعر به في بداياته. يمر الإجهاد الحراري عادة بمراحل تدريجية تبدأ بإرهاق عام ودوخة خفيفة وجفاف في الفم ثم تتطور إلى هبوط حاد في ضغط الدم، وانخفاض تدفق الدم إلى الدماغ والكلى، مما يؤدي إلى اضطرابات في الوعي، وقد يصل الأمر إلى فشل كلوي حاد أو انهيار في الدورة الدموية. وما يزيد من خطورة هذه الحالة هو أن كبار السن غالبًا لا يشتكون ولا يطلبون المساعدة، ما يجعل التدخل المتأخر أقل فاعلية وأكثر خطورة. إن الوقاية في هذه الظروف ضرورة إنسانية ومسؤولية أخلاقية. وتوصي الإرشادات الطبية العالمية بعدم انتظار الشعور بالعطش وفرض شرب الماء بانتظام، حتى في غياب الرغبة في الشرب. كما يجب توفير بيئة باردة قدر الإمكان، سواء باستخدام أجهزة التكييف أو تحسين التهوية، واللجوء إلى أماكن مكيفة عامة عند انقطاع الكهرباء إن أمكن. ومن الضروري مراقبة العلامات الحيوية بشكل غير مباشر، مثل لون البول وكميته، حيث يُعد البول الداكن مؤشرًا مبكرًا على الجفاف. كما ينبغي تجنب ترك كبار السن بمفردهم لفترات طويلة خلال موجات الحر، مع التأكد من تناولهم للسوائل بانتظام، وتعديل جرعات بعض الأدوية إن لزم تحت إشراف طبي. وتبقى هناك علامات إنذار لا تحتمل التأخير، مثل التشوش الذهني والنعاس الشديد والدوخة المتكررة وانقطاع البول أو فقدان الوعي. عند ظهور أي من هذه الأعراض يجب التعامل مع الحالة كطارئ طبي يستدعي التدخل الفوري. إن مواجهة موجات الحر خاصة في ظل هشاشة البنية التحتية وانقطاع الكهرباء في بعض الدول، تتطلب وعيًا مجتمعيًا وسلوكا استباقيًا. فالحماية لا تبدأ في المستشفى، إنما في المنزل بكوب ماء يُقدم في الوقت المناسب، وبانتباه صادق لمن نحب. قد تبدو الإجراءات بسيطة لكنها في حقيقتها فاصلة بين السلامة والخطر. وبين حياة تُحفظ وأخرى قد تضيع بصمت.

حفظ الله الجميع.

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

طَرْحُ الأَحْمَالِ…مَسْؤُولِيَّة وَشَفَافِيَّة

باختصار لم يعد المواطن الليبي يطلب المستحيل عندما يتحدث عن الكهرباء، بل أصبح أكثر واقعية …