منصة الصباح
هاشم شليق

دبر رأسك يا ليبي!

الليبي لا يُقاس كرمه بما يملك..بل بما يقدمه عندما يحتاجه الآخرون..قد يكون بيته بسيطاً..ومائدته متواضعة..ورصيده قليلاً..لكنه إذا سمع أن هناك ملهوفاً أو غريباً أو محتاجاً..تحركت فيه نخوة لا تقدر بثمن..

هذه هي الفزعة الليبية..أن تفتح بابك قبل أن يسألك الغريب..وأن تقف مع أخيك قبل أن يناديك..وأن تعطي من القليل وكأنك تملك الكثير..

من المشاهد المؤثرة خلال كارثة درنة..تبرع أطفال بما ادخروه في حصالاتهم لمساعدة المتضررين من الفيضانات..كما شهدنا بعد إعصار دانيال تحرك قوافل المساعدات من كل المدن الليبية..وتبرع المواطنون بالطعام والمياه والملابس والأثاث..كما تطوع شباب في الإنقاذ والإغاثة..وساهمت نساء في تجهيز الملابس والاحتياجات الإنسانية..حتى أنه ظهرت مبادرات لإيواء الأسر التي فقدت منازلها..

أما القبيلة الليبية فتتميز بالفزعة ومساعدة المحتاج..وإكرام الضيف وحماية الجار..وإصلاح ذات البين..والتكافل في الأفراح والأحزان..والمحافظة على الأنساب والتاريخ والعادات..وحل بعض النزاعات بالصلح والعرف الاجتماعي..وهي قوة مساندة للمصالحة الوطنية..وشريكاً في معالجة النزاعات الاجتماعية..وحافظة للتراث والهوية التاريخية..ويكفي إنها بلد خصال الفروسية الشعبية..

ونأتي إلى بيت القصيد المرتبط بما سبق من شخصية الليبي والحاضنة الإجتماعية..حيث في ظل الدور التنموي الإجتماعي الإقتصادي للفرد الواحد والأسرة في العصر الحديث..وملامح البشرية لما هو قادم في مواجهة زحف الذكاء الاصطناعي..تحاول الأسرة العالمية الناجحة اليوم..بما إنها نواة المجتمع وصمام امانها..رفع دخلها من خلال عمل إضافي مناسب..وتطوير مهارة يمكن أن ترفع الأجر..ومشروع عائلي صغير..وعمل عن بُعد إذا كان متاحًا..كذلك التعاون داخل الأسرة بدل أن يدير كل فرد أمواله بصورة منفصلة..حيث يمكن للأسرة وضع ميزانية مشتركة وتحديد المسؤوليات..مع تخصيص مبلغ شخصي لكل فرد حتى لا تتحول الميزانية إلى ضغط دائم..اي التفكير على المدى الطويل..

الأسرة لا تحتاج فقط إلى السؤال كيف نعيش هذا الشهر؟..فلقد مضى زمن الاعتماد على الدولة في كل صغيرة وكبيرة أو كل شاردة وواردة إلى غير رجعة..حيث قال جون كينيدي قبل عقود “لا تسأل عما يمكن أن يفعله وطنك من أجلك بل اسأل عما يمكنك أن تفعله أنت من أجل وطنك”..

أن موجة الغلاء الحالية عالمية وليست متطابقة في كل مكان..فأحدث توقعات صندوق النقد تشير إلى تضخم عالمي مرتفع نسبيًا في 2026 مع استمرار الضغوط إلى 2027 خصوصًا عبر الطاقة والسلع..وضعف العملة وارتفاع الغذاء والطاقة يضربان أصحاب الدخول المحدودة بقوة..وهذا يفسر لماذا يكون المواطن في الدول التي تستورد معظم غذائها ووقودها ودوائها أكثر تعرضًا لتغير الدولار واليورو..

أما المواطن الذي يحصل على دخله بالعملة المحلية..تجده ينفق معظم دخله على الطعام والسكن والنقل..بالتالي لا يستطيع تخزين مدخرات كبيرة..فأي ارتفاع في الغذاء أو الوقود يؤثر فيه مباشرة..لذلك ارتفاع الأسعار نفسه لا يعني أن الجميع خسر بنفس النسبة..ففي دولة ذات عملة قوية ومستقرة..عندما ترتفع أسعار النفط عالميًا..المواطن يتضرر من ارتفاع الوقود..لكن لديه غالبًا قدرة شرائية أعلى..وصندوق النقد أشار إلى أن الاقتصادات الناشئة وخصوصًا المستوردة للسلع تتأثر أكثر بالصدمات الخارجية عندما تكون لديها نقاط ضعف مسبقة..

ليس صحيحًا أن المواطن في الدول الغنية لا يعاني..خذ بريطانيا مثلًا: التضخم وصل إلى 3.5% في سبتمبر 2026..وارتفعت تكاليف النقل والوقود والطاقة ما يضغط أيضًا على الأسر ذات الدخل المتوسط..لكن الفرق أن الأسرة ذات الدخل المرتفع تستطيع غالبًا امتصاص الزيادة بينما الأسرة التي تنفق معظم راتبها أصلًا على الضروريات قد لا تستطيع..وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن نرى احتجاجًا أو استياءً من الغلاء في دولة غنية ودولة فقيرة..ولهذا قد يكون مواطن فقير في دولة غنية أفضل حالًا من مواطن متوسط الدخل في دولة فقيرة ذات عملة منهارة..وقد يكون المواطن الذي يحصل على جزء من دخله بعملة قوية في وضع أفضل بكثير من شخص يحصل على نفس القيمة بالعملة المحلية..

ختاما العالم فيه مليار و 200 مليون فقير..موجودون بكثرة حتى في بلدان لديها ثروات أكثر منا..لا نبرر الوضع الحالي لبلادنا الحبيبة..لكن جان جاك روسو قال “الأسرة أقدم المجتمعات جميعاً وهي المجتمع الطبيعي الوحيد”..اذن فليدبر فرد كل أسرة بالغ رأسه..

هاشم شليق

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

أَتُهانُ السِّيادَة… لِأَجْلِ الدِّعَايَة؟

باختصار لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ليبيا مجرد زلة لسان عابرة في …