زايد…ناقص
صباحَ كل يوم:
يمرّ به عابرون لا يرونَه. قلقٌ مناكفٌ يسبح في هواء راكد. أيامٌ بلا لون ولا طعم تتسكع. فصولٌ مناخيةٌ متكررة. سحبُ غيومٍ سائبة كقطعان في سموات بكماء. أعوامٌ تأتي وتذهب وتنساه. أسئلةٌ دائحةٌ في شوارع لا أحد يريد استضافتها. كلامٌ بلا معنى يدور على نفسه ولا يطحن شيئًا. حنينٌ بلا مأوى. أغنيةٌ من دون ميعاد تخطر على الخاطر وتذوي. فرحٌ ضلَّ طريقه.
أطيافُ طفولةٍ تقتربُ وتنأى. ضحكاتُ أصدقاء غادروه فجأة وأوغلوا في الغياب. امرأةٌ كانت لا تبارحه وأمستْ طيفاً. قصائدُ بلا ضفاف تركها شعراءُ وراءهم واغتربوا. مدنٌ غرق في ضجيج ليلها وأشعلت شموعَ شبابه. مقاهٍ عرفته وألِفته. أزقةٌ قديمةٌ في مدينة عتيقة تركتَ جروحها تنزف في ذاكرته وقلبه. قصصٌ وحكايات سمعها وأخرى قرأها أو كتبها. ظلالُ ماضٍ تمدُّ إليه أغصانها فلا تصله. نساء شامخات الأنوثة لا يولينه التفاتاً، يوقظن حسراتٍ في روح قلقة. حدائقُ من عشب وشجر وورود وعصافير لا تبادله الأحاديث. شواطئُ بحارٍ تركت ملحها في لسانه وعلى لحم جلده، أضحت بمرور الوقت ذكرى أليمة. مدارسُ عديدة قضى فيها سنوات طفولته وصباه ثم ألقته في العالم كمن يُلقي حجراً في بحر. طرقاتٌ تنكرت له: قادته إلى حيث يقف الآن، وحيداً، يجترّ الذي مضى وانقضى، منتظرًا ما لم يأتِ بعد. أحلامٌ كثيرة أُجهضت، وأخرى وُئدت، وقليلة أضحت حقيقة. شمسٌ بلا دفء ولا جدائل. نهارٌ مثل سابقه ولاحقه يمرُّ متثاقلاً. أناسٌ من جنسيات وألوان عديدة يزدحمون في شوارع وطرقات تسكنهم رغبات وأوهام وأحلام. أخبارٌ عن نيران حروب جديدة تستعرُ ونيران أخرى تنطفئ. أخبارٌ عن مهاجرين فقراء يقطعون فيافي صحارى، ويعبرون بحاراً ينتهون أمواتًا أو في معسكرات اعتقال وسجون، ينامون في العراء على أرصفة باردة، في مدن غريبة لا تريدهم.
صباحَ كل يوم:
يُرددُ بمرارة نفس الجملة: “ما أبهجَ الحياة خارج نطاق التغطية!”
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية