منصة الصباح

النسيانُ وبُذورُ حَبّاتِ الزيتون

جمعة بوكليب

زايد..ناقص

النسيانُ داءٌ مؤلمٌ ومحزنٌ، قلتُ في نفسي بتبرمٍ وانزعاج، بعد أن خذلتني ذاكرتي، ذات صباح بارد ومشمس، بينما كنتُ أحاول، من دون جدوى، تذكر اسم أحد رفاق رحلة السجن، كان، قد هداه تفكيره المبدع، إلى تخليصنا نسبياً، وقتذاك، من الموت مللاً وضجراً، بالاستفادة من بذور حبّات الزيتون، في ملء أوقاتنا بعمل مفيد، من خلال عملية حكّها على جدار، أو أرضية اسمنتية، حتى تتغير طبيعتها الخشنة والقبيحة، وتكتسب شكلاً جديداً جذّاباً، ذا طبيعة مخالفة لأصلها الأولي، تتميّز بنعومة لافتة، تسرُّ الناظرين.

في تلك الأيام البائسة والمحزنة والمؤلمة جداً، ” الله لا يردها”، كان القائدُ الأوحد، سادراً في غيّه وأوهامه، يطير بلا جناحين في سموات بعيدة، مُبشراً بإنقاذ البشرية من الهلاك، وبالعيش في فردوس أرضي!! وكانت البشرية، كعادتها، تعيش في منأى عن أوهامه وجنونه، كما فعلت مع من سبقوه، ومنهمكة في شؤونها، ومشغولة بمشاكلها، ومستغرقة في حروبها، التي لا تنتهي. وكنّا نحن، آنذاك، شباباً، نفيض حيوية وقوة وموهبة. وتبين أنه لا مكان لنا على خريطة أوهام القائد العظيم، في سعيه الأعظم لانقاذ البشرية. لذا، قرر هو التخلص منّا باعتقالنا ووضعنا في الحبس، بتهم ملفقة.

وفي الحبس، لم يكن لدينا شيء نفعله بين جدران الزنازين ووحشتها، ومن دون عمل نشغل به أنفسنا، أو كتب أو مجلات نقرأها. ووجدنا أنفسنا خائضين في حروب يومية ضد هجمات قاتلة، من قبل جيوش الملل والضجر. وكانت خطوطنا الدفاعية تتهاوى متساقطة، يوماً بعد آخر، واحدة تلو أخرى، في أيدي العدو الزاحف، خاصة في الشهور الأولى. ولكي لا نقع أسرى أوقتلى بين، وعلى أيديها، كان لابد لنا من ايجاد حلول. وتمكن أحدنا مشكوراً من الوصول إلى حلّ مكننا من الصمود والتصدّي، وأنقذنا مؤقتاً. ولن أسامح ذاكرتي مطلقاً على نسيانها لاسم ذلك المنقذ. وسأظل ألعن داء النسيان ما حييت، إلى أن يحتويني قبرُ.

لا أعرفُ من أي سماء هبطت تلك الفكرة على ذهن ذلك الرفيق والصديق. لكننا فؤجئنا به ذات يوم، وقد جلس قرب جدار، وفي يده بذرة حبّة زيتون، ومنشغل بحكّها على جدار. بعدها انشغل بصقل غيرها، حتى تغيّرت أشكالها.

أعجبتنا الفكرة. وانتقلت العدوى إلينا. وصرنا لا شغل لنا إلا حكّ بذور حبّات الزيتون على الجدران، أو على فظاظة الأرضية الاسمنتية في الساحة. بعد عملية صقلها، نصنع منها أساور جميلة تحيط بالمعاصم، وقلائد لا تقل عنها جمالاً، لكي نهديها إلى أمهاتنا وأخواتنا وحبيباتنا في أوقات الزيارات.

عمليةُ حَكّ بذور حبّات الزيتون الصغيرة، الخشنة والقبيحة، على جدران، بهدف صقلها حتى تغيّر من طبيعتها وتصبح ناعمة وجميلة ومفيدة، من الممكن، بشيء من التعديل، استعارتها لصقل وتهذيب البشر. ولكي يتحقق ذلك، لابد من تعريض الانسان لعملية حكّ من نوع مختلف. من خلال عمليات عديدة من التعليم والتربية والتهذيب التي تتجاوز السطح، وتصل الأعماق، وتكون قادرة على تحويل القبيح والفظاظة والخشونة في سلوكه وتصرفاته إلى النقيض، كي يصبح انساناً متحضراً جديراً بالاسم، على علاقة وثيقة بمجتمعه القريب وبالإنسانية عموماً، وعالماً بما يجري ويحدث من حوله من أحداث، وحريصا على أحترام آراء غيره، وحقّهم في الاختلاف والتفرد، ويناويء ثقافة القطيع.

نصف ساعة فقط، تكفي لعملية حكّ بذرة حبّة زيتون، وصقلها. أما عملية تحويل بنادم إلى انسان فهي عملية متواصلة، لا تعرف توقفاً. تبدأ من مرحلة مبكرة في العمر وتستمر إلى آخره.

شاهد أيضاً

منشور “عادل” غير عادل

فتحية الجديدي كتب زميل في الإعلام على درجة علمية متقدمة، بصفحته الشخصية في منصات التواصل …