ألرئيسيةالأوليالثقافية

حوار مع المفكّر العراقي الدكتور سيّار الجَميل – 1/2

إنني لا أؤمن أبدا بوجود فكر أيديولوجي اليوم

 

حاوره : محمد القذافي

ولد في الموصل / العراق العام 1952 .ونشأ في أسرة علمية معروفة،أكمل دراساته في الجامعات البريطانية : ردنك واكسفورد وسانت اندروس . ونال دكتوراه الفلسفة في التاريخ الحديث في العام 1982 .رئيس جمعية الصداقة العربية الاسكتلندية لدورتين انتخابيتين 1979 و 1980. عمل محاضرا واستاذا في جامعات عدة، منها : وهران بالجزائر وتونس الأولى والموصل بالعراق واليرموك وآل البيت بالأردن وجامعة الإمارات العربية المتحدة..أستاذ زائر في جامعة كيل بألمانيا الغربية منذ العام 1987 .

شـارك فـي العديـد مـن المؤتمـرات الدوليـة والنـدوات العلميـة فـي أماكن عـدة فـي العالـم . . حصـل علـى جائـزة شـومان للعلمـاء الشـباب منفـردا العـام 1991 وعلـى بـراءة تقديـر فـي العـام 1992 وعلـى قـلادة الإبـداع للعلمـاء المتميزيـن فـي العـام 1995 ، وعلـى جائـزة الكوريـار انترناشـنال فـي كتابـات العـراق العـام 2004 وعلـى شـهادة تكريـم العلمـاء مـن الجمعيـة الدوليـة للمترجميـن العـرب 2005 .. وعلـى شـهادة تقديـر مـن مجلـس العمـل العراقـي فـي أبو ظبـي 2006 . . ّ تخـرج علـى يديـه العديـد مـن حملـة الماجسـتير والدكتـوراه فـي التاريـخ الحديـث والمعاصـر.. أدار العديـد مـن وحـدات البحـوث والدراسـات وورشـات العمـل البحثيـة . شـارك فـي كتابـة موضوعـات مختزلـة للانسـكلوبيديا الاسـلامية والانسـكلوبيديا التركيـة وموسـوعة تاريـخ الثقافـة البشـرية الحديثـة ) اليونسـكو ( . . ألقى محاضراتـه فـي منهـج البحـث والتاريـخ الوثائقـي وتاريـخ العالـم وتاريـخ الخليـج والشـرق الأوسـط والتاريـخ الاقتصـادي الاجتماعـي والثقافـي والعولمـة وفلسـفة المسـتقبل . . لـه أكثـر مـن عشـرين كتابـا منشـورا وعشـرات البحـوث العلميـة المنشـورة فـي العربيـة والانكليزيـة . نشـر المئـات مـن المقـالات الفكريـة والسياسـية والنقديـة فـي العديـد مـن الصحـف العربيـة والأجنبيـة.

أجرينـا معـه هـذا الحـوار الفكـري لمعرفـة آرائـه وبعـض أفـكاره حـول مواضيـع فكريـة وفلسـفية مختلـف..

*هل مازال المثقف العربي يفتقد للقنوات التي تشد الجماهير إلى ما يدعو إليه ؟

ـ لا أقول ” يفتقد ” ، بل زاد افتقاده للقنوات التي يتصل بها بالجماهير ، سواء بأفكاره أو بأعماله ، أو بإبداعه .. مع انفجار سكاني في أغلب البيئات العربية ، ووجود طفرة ديمغرافية كبرى ، وتضاعف عدد السكان لمرات عما كان عليه المجتمع قبل عشرين سنة .. فإن ملايين الشباب اليوم لا علاقة لهم بالثقافة ! ليست المشكلة أحادية وليست نخبوية . إنها مشكلات معقدة متداخلة مع بعضها البعض .. منذ بدء الثورة الإعلامية المعاصرة مع بدايات تسعينيات القرن الماضي ، والثورة تجتاح مجتمعاتنا بكل وسائلها الإعلامية المعاصرة على مدى ساعات اليوم ، وهي كلها لا توظف نفسها للثقافة ، ولم تمنح المثقف فرصته الحقيقية ، ليقول ما عنده بالرغم من تضاءل حجم المثقفين العرب وانكماشهم .. وانشغالهم بالقضايا السياسية دون الإبداعية .. المثقف لا يمكنه أن يكون كذلك إن لم يبدع .. والإبداع أن يأتي لمجتمعه بشيء جديد من الأفكار والرؤى والنصوص الجديدة .. ولا يمكن للإبداع أن يكون كذلك ، إن لم يعترف به المجتمع ، وتتداوله الألسن ، ويجد المثقف نفسه محاصرا لتقديم المزيد.. إن الزمن اليوم قد تغير ، فإذا كانت نخب المثقفين العرب السابقين تجد قنواتها إلى كل الجماهير متاحة عبر فيلم أو رواية أو نص شعري أو مقال أو انجاز أو أي منتج إبداعي ، فان القنوات الإعلامية المتاحة اليوم ، وهي كبيرة ومؤثرة ، لا تعتني بالمثقف قدر عنايتها بالسياسيين . إن السلطات العربية في اغلبها تشعر بأن المثقفين وباء أو أشتات من المقرفين الذين لا ترتاح لطروحاتهم أبدا ، فكان الإقصاء سبيلا حقيقيا للمثقفين العرب الأقوياء .. ونجد القنوات الحقيقية التي يطل فيها على الناس جملة كبيرة من المعممين ورجال الدين الذين لا عمل لهم إلا ترديد ما يقولونه ! أما حصة الأسد اليوم ، هي من نصيب المسؤولين والسلطويين والسياسيين وأنصاف المثقفين ، الذين أصبحوا اليوم من مثقفي السلطة سواء كانت هذه الأخيرة سياسية أم إعلامية ! إن الإعلام العربي ومؤسسات الثقافة والفكر لايمكن أن تشكل ضمن أساطيل مرة تابعة لهذا، وأخرى تابعة لذاك! إن الإعلام العربي قد ساهم منذ خمسين سنة في سحق الإرادة وشل التفكير وشراء الذمم والتغني بالأكاذيب والترويج للانقسامات والتماهي مع الهزائم .. الخ إن المثقف الحقيقي لا يمكنه أن يكون بوقا لهذا أو ذاك ! إنه يجد نفسه ربما مهمشا ، وربما غير فاعل ، وربما محبطا .. أو يمضي للمشاركة هنا أو هناك على استحياء !

*هل يمكن بناء تصور جديد ” لوظيفة المثقف العربي من خارج التاريخ الثقافي الوطني” ؟

لقــد فوجئــت بهــذا الســؤال الذكــي .. إذا كنــت تريــد بنــاء هكذا »تصور» جديد مثل هذا المثقف العربي من خــارج اســيجة التاريــخ الثقافــي الوطنــي ، فـإن الجـواب لا يمكـن أن يأتـي بهـذه السـرعة .. وبأقـل مــا يمكــن مــن الكلمــات .. ولكنــي دعنــي اختــزل بعــض تصوراتــي عــن هــذه » الوظيفــة » .. خذهــا قاعــدة أن لا يوجــد مثقــف عربــي لــه قوتــه الحقيقيــة إن لــم يجــد وظيفتـه مـن داخـل التاريـخ الثقافـي الوطنـي أو خارجـه معــا .. إن التاريــخ الثقافــي الوطنــي ســواء كان قــد اســتوعبه أو لــم يســتوعبه ، فهــو تاريــخ مســتهلك فــي أغلبــه ، وإن هــذا العصــر قــد تجــاوز تاريخنــا الثقافــي الوطنــي كثيــرا ، ولــم يعــد هــذا التاريــخ يلبــي حاجــات أساسـية فـي الثقافـة الحديثـة ، نتيجـة مـا تضمنـه هـذا التاريــخ مــن هزائــم وانتكاســات ومــا شــكله مــن أكاذيــب ومـن هلوسـات وتعـداد أمجـاد بعـض منهـا لا أسـاس لـه مــن الصحــة ، فضــلا عــن انــه تاريــخ مشــوه لمجموعــة تناقضــات وتقاليــد لأفــكار مســروقة مــن هنــا ومنتحلــة مـن هنـاك .. ولكـن لا يمكـن لأي مثقـف عربـي حقيقـي أن يختـزل الطريـق مباشـرة كـي يصطـف خـارج تاريخـه الثقافــي الوطنــي قبــل أن يتشــبع بــه تمامــا .. ذلــك انــه ضـرورة بالنسـبة للأساسـيات التـي يمكـن الانطـلاق منهـا .. أن المثقـف العربـي الحقيقـي لا يمكنـه أن ينفصـل أبدا عـن تاريخـه الثقافـي الوطنـي مهمـا حمـل مـن سـلبيات ، ولكـن لا ينبغـي التعويـل عليـه فـي هـذا العصـر ! ليـس هـو عبئــا عليــه ، إن وجــده صعبــا ، فليــس تاريخنــا الثقافــي بســيطا أو تافهــا .. انــه معقــد وشــمولي وكبيــر وغنــي وملــئ بالســلبيات والايجابيــات ، لكنــه غيــر مــدروس نقديــا البتــة .. إننــي لا اســتطيع أن أجــد مثقفــا عربيــا ملتزمــا بقضايــا متنوعــة فــي بيئتــه أو مجتمعــه إن لــم يكـن لـه رصيـد مـن الركائـز القويـة فـي تاريخـه الثقافـي والتمييـز بيـن مسـاحاته ، وقـراءة نصوصـه بتمكـن نقـدي .. بمعرفــه مفاصلــه بموســوعية . إنهــا مســألة حيويــة بالنســبة لــي فــي أن اصنــع مــن الآخريــن مثقفيــن لهــم وظيفـة أساسـية خـارج التاريـخ الثقافـي العربـي ، شـريطة أن يكونـوا قـد سـيطروا منـذ البدايـة علـى ذلـك » التاريـخ » ومشــاكله .. كــي يكونــوا مؤهليــن لأيــة مهمــة خارجــة عـن إطـاره .. وعليـه ، فإننـي لا أعـول علـى أبنـاء وأحفـاد الجاليــات العربيــة الذيــن لهــم وظائفهــم الثقافيــة خــارج تاريـخ ثقافتهـم الأم ، كونهـم مفتقديـن إياهـا . إذن ، هـم لــم يعــودوا يخدمــون الثقافــة العربيــة كونهــم انفصلــوا عنهـا .. عكـس مثقفيـن آخريـن نجحـوا بمزاوجـة وظيفيـة رائعــة بيــن الاثنيــن وارتقــوا علــى كل التناقضــات .. وقدمــوا للثقافــة البشــرية روائــع نــادرة.

* كيف تقيم الخطاب السائد في هذه المرحلة ؟

الإبــداع قليــل ، بــل نــادر جــدا مقايســة للنمــو الديمغرافـي العربـي .. الثقافـة العربيـة فـي حالـة انحدار مسـتمر منـذ خمسـين سـنة ! الخطـاب السـائد اسـتطيع وصفــه بخطــاب اجتــراري ليــس فــي عباراتــه وكلماتــه ومصطلحاتـه ، بـل حتـى فـي مفاهيمه وأفـكاره ! الخطاب الســائد عربيــا اليــوم هــو إعلامــي وشــعاراتي أكثــر منــه ثقافـي وأيديولوجي .. انـه مزدحـم بالتناقضـات الدينيـة والسياســية بعــد أن اختفــى فجــأة الخطــاب القومــي أو اليســاري الــذي ســاد بعــد الحــرب العالميــة الثانيــة .. لقـد عشـنا مرحلـة ثلاثيـن سـنة 1979 – 2009 ازدحـم فيهــا حقــا ، خطــاب التناقضــات وهيمنــت الانشــائيات الدينيـة ولـم تـزل ، وخصوصـا عندمـا بـدأت منـذ مطلـع ثمانينيـات القـرن الماضـي ، شـعارات خطـاب ثـورة ولايـة الفقيـه مـن طـرف وخطـاب الصحـوة الدينيـة مـن طـرف آخــر .. وقــد وصلــت كل منهمــا إلــى حالــة التصــادم .. إننـي لا أجـد فـي كل مـن الخطابيـن ( ثقافـة ) حقيقيـة ، بـل إنهمـا خطـاب انجـرف الملاييـن لتأييدهمـا بسـذاجة بالغـة .. اليـوم نحـن عنـد مفتـرق طـرق صعـب .. خطابنـا العربــي فــي اشــد حــالات البــؤس والشــقاء والضيــاع ، إذ لــم يعــد لــه تأثيــر بالــغ كمــا كان ســائدا فــي الســابق ، وذلــك بفعــل ابتــذال الكلمــة وميوعــة مقــول القــول .. الخطـاب اليـوم إعلامـي وإنشـائي ودعائـي ، وفـي أسـوأ درجــة مــن مقــول القــول وتلقــي المتلقــي .. ســواء علــى شاشـات الفضائيـات الهزيلـة ، أم علـى مواقـع الانترنيـت المبتذلــة . صحيــح انــه مغــرق بالسياســة ، ولكنــه ليــس بخطــاب سياســي حقيقــي ، وهــو بعيــد عــن تلبيــة أيــة حاجــات اجتماعيــة وحضاريــة .. لــم يعــد الخطــاب يشـكله أنـاس محترفـون أو بالأحـرى مهنيـون .. لـم يعـد الخطـاب يتميـز بـه فلاسـفة جـادون .. لـم يعـد الخطـاب مكتنــز بالشــعراء والأدبــاء .. لــم يعــد الخطــاب خطــاب الثقافـة والإبـداع ، بقـدر مـا هـو اليـوم خطـاب السياسـة المشــوهة والتســابيح الإملائيــة .. لــم يعــد الخطــاب خطـاب علـم ومعرفـة ، بقـدر مـا هـو خطـاب الشـعارات والشــائعات .. هنــاك بقايــا خطــاب رائــع يحملــه أبنــاء جيــل ســابق ممـن تربــى علــى روعــة الكلمــة وأداء مقــول القـول .. إن الجيـل الجديـد لا يعـرف مـن الخطـاب ، إلا مـا يجـده علـى الويـب مـن دون أن يتعـب نفسـه فـي مكتبـة أو مركــز ثقافــي أو ردهــات جامعــة .. الفنــون كجــزء معبـر مـن الخطـاب لـم تعـد كمـا كانـت سـابقا .. الغنـاء مبتــذل جــدا ، الطــرب منعــدم أو يــكاد ينعــدم .. مــات الموشــح .. مــات المســرح الغنائــي .. المســرح الملتــزم اختفـى .. التشـكيل اختلـط أمـره علـى كل مـن هـب ودب .. الأدب اضمحــل جــدا ، ولــم يبــق إلا بضعــة أدبــاء أقويــاء تأكلهــم الأمــراض والأســقام .. الســينما العربيــة غــدت تافهــة جــدا ، والنــاس غــدت تنتظــر المسلســلات الرمضانيـة سـنويا وكأنـه تقليـد أعمـى لقتـل الزمـن ! إننـا نعيــش خطابــا يتــوزع بيــن الوعــظ الدينــي ، ومشــاحنات الاتجـاه المعاكـس .. وتفاهـات البرامـج التلفزيونيـة ولـم أقـف إلا علـى النـادر مـن البرامـج الحيـة .. إننـا نعيـش خطــاب مقــالات الصحــف البائســة .. إن النقــد كواحــد مـن مقومـات الخطـاب لـم يعـد أدبيـا ، ولا فلسـفيا ، ولا إبداعيـا .. انـه مجـردا مـن كل المقومـات . إن الخطـاب الحقيقــي هــو مقــول قــول حياتنــا التــي ينبغــي أن يكــون خطابهــا اليــوم ليــس مشــاركا البشــرية مشــاكلها حســب ، بــل أريــده أن يكــون ذلــك الخطــاب الــذي يعبر عن إرهاصــات مجتمعاتنــا نحــو بنــاء المســتقبل وليــس مــا تريـده مـن المتعـة الآنيـة ، بـل مـا يمكـن أن يكـون تحديـا لهــا كــي تســتجيب لــه بعــد أن يتغلــب الوعــي عندهــا ، فالوعـي مغيـب تمامـا ، والتفكيـر مشـلول بالرغـم مـن الدعــوات المســتمرة للإصلاحــات والتغييــر .. ولعــل ّأهم ما قدم في السنوات الأخيرة وثيقة الإسكندرية للإصلاح .. والتــي لــم يأخــذ بهــا أحــد حتــى الآن !

*حاليا من تراه قادرا على تحقيق الديمقراطية _ من بيده ذلك ؟

ـ الديمقراطية لا يمكنها أن تبنى من فوق أبدا ! الديمقراطية لا يمكنها أن تؤسس من قبل زعماء وحكام وقادة ورؤساء يزعزعون من خلالها عروشهم وكراسيهم ! الديمقراطية لا يمكنها أن تفرض فرضا على المجتمعات ! والمجتمعات غير مؤهلة لها أبدا ! الديمقراطية لا يمكن أن تتفق أبدا مع الشورى في الإسلام أو البيعة في تاريخ الإسلام ! الديمقراطية أسلوب حياة ، ونظام تربوي ، وضرورة اجتماعية لتلبية مطالب مدنية حقيقية تؤديها سياسات وأساليب ونظم وتقاليد وأفكار وممارسات وصناديق اقتراع .. لابد أن يتربى عليها أكثر من جيل لتنمو وتتطور .. إن المجتمع لا يمكن أن يبدأ تفكيره بالديمقراطية ، إن لم تكن هناك جماعات معلمين مفكرين ، ونخب مثقفين ، وفئات نقابيين .. ومن ثم موجات جماهير تطالب بالديمقراطية على أسس وطنية ومدنية ودستورية .. ذلك إن المطالب الدينية شيء والمطالب المدنية شيء آخر .فالمتدينــون الذيــن يشــتغلون سياســة لا يمكنهــم ممارســة الديمقراطيــة ، وإلا فهــم سيتســاوون مــع العلمانييــن ، ومــع الشــيوعيين ومــع القومييــن ومــع الملحديــن ومــع كل الألــوان وهــم يعتبــرون أنفســهم أعلــى بــل أنظــف وأســمى واطهــر وهــذا مــا لا يتفــق والديمقراطيــة .. فضــلا عــن أن الديمقراطيــة ليســت وليـدة أي ديـن ، بـل إنهـا مـن اختـراع الإنسـان عبـر تطـور حاجتــه للحكــم والعدالــة .. فالديمقراطيــة يمارســها المدنيــون فقــط ، الذيــن يحتفظــون بعلاقتهــم الدينيــة بينهــم وبيــن خالقهــم ســواء فــي الســر أو العلــن .. أمــا سياســيا ، فهــم مدنيــون لهــم القــدرة علــى أن يفصلــوا بيــن الديــن والدنيــا ، وأن يجعلــوا الدولــة فــي خدمــة المجتمــع ، وان يجعلــوا المجتمــع فــي طاعــة الدســتور المدنـي .. إذن الديمقراطيـة تنمـو مـع فكـر الإنسـان منـذ اســتقلاليته وصبــوة تفكيــره .. لا أن آتــي لشــيخ طاعــن فــي الســن لا يعــرف إلا إصــدار الأوامــر واجعلــه مقيــد بالقانـون ! هنـا تأتـي مهمـة الدولـة فـي أن تكـون مهمتهـا ليـس تطبيـق الديمقراطيـة وهـي ذات نظـام ثيوقراطـي أو أوتوقراطــي أو ولايــة فقيــه .. الــخ بــل نطالبهــا بالتغييــر فـي أن تكـون مدنيـة وبقوانيـن مدنيـة حتـى تسـمح بـولادة فكــرة الديمقراطيــة وتغيــر مناهــج التعليــم وتنهــج نهجــا إعلاميـا مدنيـا .. عنـد ذاك سينشـأ جيـل متقـدم مشـبع بالأفـكار المدنيـة ويـدرك قيمـة القانـون ويعتنـي بالإنسـان وحقوقـه وواجباتـه والمـرأة والطفـل .. عنـد ذاك ، سـيبدأ شــعور وطنــي بأهميــة المســتقبل للمجتمــع وان يتســاوى أبنــاء المجتمــع فــي حقوقهــم وواجباتهــم مــن خــلال تشـريع دسـتور مدنـي يكـرس الديمقراطيـة علـى أسـس وطنيـة لا يفـرق بيـن الطوائـف والملـل ولا يفـرق بيـن أبنـاء المجتمـع لا علـى أسـاس دينـي ولا علـى أسـاس شـوفيني عرقـي ولا علـى أسـاس محلـي أو جهـوي .. فهـل سـيتبلور ذلك في المجتمعـات العربيـة ؟ لقـد ضيـع العـرب ومعهـم شـعوب كبيـرة مـن العالـم الإسـلامي أكثـر مـن مائـة سـنة ّ علـى إيديولوجيـات سياسـية وأحـزاب دينيـة لا يمكـن أن تقودهــم أبــدا إلــى الديمقراطيــة .. والــى حــد الآن لا يمكننــي أن أتصور كاتبــا إســلاميا يــروج للديمقراطيــة ، وهـو يـدرك إنهـا ليسـت جـزءا مـن تاريخـه أبـدا ! فهـل ّ سنشـهد متغيـرات جديـدة فـي التطـور الديمقراطـي لـدى العـرب والمسـلمين فـي القـرن الواحـد والعشـرين ؟ هـذا مــا ستســفر عنــه العقــود الزمنيــة القادمــة ومــن خــلال ثلاثــة أجيــال قادمــة..

*منـذ سـقوط بغـداد وحتـى الآن _ إلـى أي حـد تـرى أن سـقف الحريـات يعلـو أو يتراجـع ؟

إن الحيــاة البشــرية تتقــدم لــدى مجتمعــات وتنتكــس لــدى مجتمعــات أخــرى .. إن ســقوط بغــداد بأيــدي الأمريكييــن وقــوى التحالــف عــام 2003 وحتــى اليــوم تعيــش تحــولات صعبــة جــدا لا يمكــن تخيلهــا أبــدا .. ربمــا لأنهــا خرجــت مــن تاريــخ عمــره قرابــة خمســين ســنة كان قــد امتـلأ بــكل الأوضــار والأحاديــات وحكــم المليشــيات ودكتاتوريــة الزعمــاء وحــركات التمــرد وموجــات الانقلابــات ومسلســلات الحــروب والانتفاضــات .. وهجمــة الحصــارات وســطوة أجهــزة الأمــن والمخابــرات .. الــخ ولكــن العــراق ويــا للأســف الشـديد لـم يدخـل عهـد نقاهـة تاريخيـة أمدهـا لا يقـل عـن عشـر سـنوات بعـد السـقوط .. يـداوي فيهـا قروحـه وجروحــه التــي لــم تندمــل .. بــل انفتحــت أبــواب جهنــم علـى مصراعيهـا أمـام العراقييـن وخصوصـا مـن خـلال الانفــلات الــذي أراده الأمريكيــون الذيــن اعتمــدوا علــى أحـزاب وقـوى غيـر مؤهلـة للحكـم ولا لاسـتيعاب الفـراغ ولا لتقبـل المجتمـع لهـا .. سـقف الحريـات الـذي ننشـده طـار فجـأة ليـرى العراقيـون أنفسـهم مباشـرة مـن كونهـم فــي قمقــم مغلــوق عليــه إلــى أن يكونــوا فــي غابــة فيهــا كل الوحـوش .. لـم يعـد هنـاك أي سـقف للحريـات منـذ خمــس ســنوات .. هنــاك انفــلات واســتهتار وموجــات عنــف وتهتــك وعصابــات خطــف وتوحــش وقتــل للنــاس ! إننــا أمــام مشــهد دمــوي محــزن فــي فــراغ سياســي وامنـي كبيـر .. يقـال انـه بـدأ يتحسـن اليـوم شـيئا فشـيئا ولكنـه مخلفـا المزيـد مـن التناقضـات .. وكمـا قلـت قبـل أكثـر مـن ثـلاث سـنوات ذلـك إننـي كنـت أخشـى السـلطة والدولــة قبــل العــام 2003 ، أمــا اليــوم فإننــي أخشــى العصابــات والمجتمــع !

* كيـف تفسـر » تقـدم الفكـر الإيديولوجـي علـى الفكـر النقـدي فـي الخطـاب الأبـوي المسـتحدث » ؟

أراك عزيــزي تنقلنــي مــن موضــوع قريــب إلــى موضــوع بعيــد أو أبعــد مــن البعيــد .. لقــد ضــاع مــن عندنــا الفكــر النقــدي نحــن العــرب ، ورحــل عنــا النقــاد الحقيقيـون ولـم يعـد احـد يهتـم بنقـد الحيـاة أو الواقـع ، فكيــف بنقــد النصــوص .. أرى الجميــع وقــد استســلموا للمباهــاة والمــداراة والتمجيــد والتســبيح والتحميــد والمديـح الفـارغ .. أرى الجميـع لـم يعـد يجـد فـي الفكـر النقــدي لا غايــة ولا ضــرورة ولا حتــى وســيلة للتقــدم ، بــل ولــم يعــد احــد يقــرأ فــي الفكــر النقــدي مــن اجــل تشــكيل خطــاب المعرفــة . المعرفــة مغيبــة تمامــا .. بــل ومــات الإلتــزام والأدب الملتــزم ليــس بســبب رحيــل الاشـتراكية والفكـر الاشـتراكي ، بـل بسـبب مـا مـر فـي حياتنـا السياسـية علـى امتـداد أكثـر مـن خمسـين سـنة.. مرحلــة الانقلابــات العســكرية ومــا يســمى بالمــد القومــي الــذي طبــع نفســه بالاســتبداد وولادة أكثــر مــن دكتاتوريــة عربيــة باســم القوميــة العربيــة قمعــت الفكــر النقــدي ، وقمعــت كل الأنفــاس الحــرة وخلقــت شــراذم مؤدلجيــن أو محاوليــن الأدلجــة ضمــن ســياقات مــا يســمى بالإشــتراكية والثوريــة فــي حيــن نجــد أبعــادا حقيقيــا للمثقفيــن والمفكريــن الملتزميــن اليســاريين العـرب وولـدت المرحلـة ذات المـد الدينـي علـى أعقـاب مرحلــة المــد القومــي منــذ ثلاثيــن ســنة ، وهنــا انتشــر العقـم والتزييـف والجمـع بيـن السـيئات كلهـا ، بـل وطغـت التناقضـات فـي ثلاثـة عقـود علـى كل أبنـاء مجتمعاتنـا ، ولـم نعـد نجـد المثقفيـن الحقيقييـن إلا وقـد انكمشـوا ، أو هاجـروا ، أو انتحـروا ، أو ماتـوا بائسـين مـن قنوطهـم أو ســكوتهم أو دمــار أفكارهــم فــي بحــر مــن ســلطة لا الدولـة القوميـة بـل سـلطة المجتمـع الدينـي أو الطائفـي وبــدأت حتــى الأنظمــة ذاتهــا تصفــق لتلــك الســلطات المحليـة الدينيـة التـي اسـتحوذت علـى الشـباب وجعلـت منهـم قنابـل موقوتـة ضـد الحيـاة نفسـها . إننـي لا أؤمـن أبــدا بوجــود فكــر ايديولوجــي اليــوم ، فالأيديولوجيــة معناهـا باختصـار : » المذهـب السياسـي » وأنـا لا أجـد اليــوم أي مذاهــب سياســية ، بــل أجــد أحزابــا دينيــة أو شـراذم طائفيـة تسـيطر علـى خنـاق المجتمعـات ، وتريـد أن تســتحوذ علــى الســلطة والدولــة بقــوة تأييــد النــاس وعبــر الصنــدوق الانتخابــي ، أي باســم الديمقراطيــة ، وهــي ابعــد مــا تكــون عــن الديمقراطيــة !

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق