منصة الصباح
د. علي عاشور

جدول لا يُرضي… ودينار لا يُجدي

باختصار

اجتمع صباح الإثنين أعضاء مجلس النواب لمناقشة جدول المرتبات بعد أكثر من شهرين من بداية الاعتصام وإغلاق المدارس.. أتساءل حقاً: هؤلاء نواب من؟ هل هم حقاً نواب هذا الشعب؟ أم نواب شعب غيره؟ 

جاءوا ليناقشوا ملف المرتبات الذي ينتظره آلاف الليبيين، لكن السؤال الذي يبدو أن النقاش لم يعطى ما يستحقه من اهتمام هو: ماذا تعني زيادة المرتب إذا كانت قيمة ما يتقاضاه المواطن تتآكل كل يوم، وأسعار السلع تقيس نفسها بقيمة الدولار لا بما سجل في كشف المرتبات؟

شرائح عديدة في المجتمع غير راضية عن الجدول المطروح، فالمعلم يرى أن دخله لا يوازي ما يبذله، والقاضي وأستاذ الجامعة والموظف في المؤسسات السيادية…. وغيرهم يقارنون مرتباتهم بأعباء المعيشة، ولكل فئة مظلمتها وملاحظاتها، وليس من الإنصاف اختزال هذه الاعتراضات في مطالب فئوية، فجوهرها سؤال واحد: كيف يعيش الليبي بمرتب فقد جُل قوته الشرائية أمام تغول العملات الأجنبية؟

اليوم الدولار في السوق السوداء يحوم حول عشرة دنانير للدولار الواحد، بينما بلغ متوسط سعره الرسمي وفق بيانات مصرفنا المركزي نحو 6.417 دينارا، والفارق بين السعرين ليس رقماً عابراً وصغيراً، بل هو مرآة لاختلالات تضغط على السوق، وتنعكس على تكلفة الاستيراد والسلع والخدمات.

لذا، فإن معركة المرتبات لا يمكن أن تخاض بمعزل عن معركة استعادة قيمة الدينار، لأن زيادة الأرقام في الجداول، من دون معالجة تراجع العملة وارتفاع الأسعار، قد تمنح الموظف رقما أكبر، لكنها لا تضمن له قدرة شرائية أفضل، وقد تتحول الزيادة نفسها إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار إذا لم تُحسب آثارها على الإنفاق العام والسيولة والسوق.

ولا يعني ذلك أن رفع قيمة الدينار قرار سهل أو شعار يتحقق بقرار برلماني، بل يحتاج إلى سياسة نقدية ومالية منضبطة، وإدارة رشيدة للإيرادات والإنفاق العام، والحد من الهدر والفساد، وتوفير النقد الأجنبي عبر قنوات شفافة، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهذه مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقا بين السلطات التشريعية والتنفيذية ومصرف ليبيا المركزي.

أما أن يجتمع النواب ليناقشوا جدولاً لا يرضي جل الفئات، ثم يؤجلوا حسمه، بينما تتسع فجوة المعيشة وتتراجع ثقة الناس، فذلك لا يجيب عن السؤال الحقيقي… وهل يعلمون أن أطفالاً ليبيين ما زالوا ينتظرون انتظام الدراسة، فيما تقترب امتحانات أقرانهم – بما فيهم أبنائهم – الدارسين في المدارس خارج البلاد؟

ليست القضية من يحصل على زيادة أكبر، بل القضية أن يصبح المرتب كافيا، وأن يستعيد الدينار شيئا من قوته، وأن يشعر المواطن أن دخله يحمي كرامته لا أنه يطارِد الأسعار من شهر إلى آخر، فالبلاد لا تحتاج جدول مرتبات جديدا فحسب، بل تحتاج اقتصادا يجعل للمرتب قيمة.

بقلم: د. علي عاشور

شاهد أيضاً

الطفلة التي استقلت تاكسي بلا رفقة آمنة أو وجهة محددة ..

نشر أحد الأجهزة الأمنية ” جهاز الدعم والإسناد الأمني جنزور” خبراً عن طفلة استقلت ركوبة …