منصة الصباح
المبيدات المحظورة
المبيدات المحظورة تهدد الصحة العامة في ليبيا: من المسؤول؟(مصدر الصورة مكتب النائب العام)

وزارة الزراعة.. الجمارك.. الرقابة على الأغذية.. من المسؤول عن تسميم الليبيين؟!

الصباح/ تقرير

أعادت التحقيقات الواسعة التي يقودها مكتب النائب العام خلال الأيام الأخيرة، فتح أحد أخطر الملفات المرتبطة بالأمن الغذائي والصحة العامة في البلاد، بعد الكشف عن انتشار مبيدات ومحسنات زراعية محظورة ومصنفة ضمن المواد المسرطنة والمسببة للأمراض المزمنة، استُخدمت في مزارع وأسواق ليبية على نطاق واسع، في قضية تتجاوز مجرد المخالفات التجارية إلى شبهة جرائم تمس الحق في الحياة والصحة العامة والأمن الاقتصادي للدولة..

سموم في غذاء الليبين(مصدر الصورة مكتب النائب العام)

ضبطيات صادمة

وأعلن مكتب النائب العام، خلال الأيام الماضية، ضبط كميات كبيرة من المبيدات الزراعية المحظورة داخل مخازن وشركات تعمل في استيراد وتوزيع المستلزمات الزراعية في مناطق قصر بن غشير والسواني وتاجوراء، حيث أسفرت عمليات التفتيش عن ضبط نحو “19” ألف كيلوغرام من غاز “بروميد الميثيل” المحظور، إضافة إلى أكثر من “6” آلاف عبوة تحتوي على مبيدات زراعية ممنوعة التداول، مع توقيف عدد من المتورطين وملاحقة بقية المشاركين في إدخال هذه المواد إلى البلاد.

كما كشفت التحقيقات عن ضبط “300” عبوة من المبيدات المحظورة و”440″ عبوة أخرى منتهية الصلاحية، وإغلاق عشرات المحال التجارية التي ثبت تورطها في الاتجار بهذه المواد، فيما تستمر التحقيقات لتحديد المسؤوليات الجنائية والإدارية المرتبطة بالقضية..

سموم في غذاء الليبين(مصدر الصور..مكتب النائب العام )

 

أكثر من “70%” من السوق خارج القانون

ولم تكن هذه الضبطيات مفاجئة للجهات الرقابية، إذ أعلنت لجنة الكشف على المبيدات المحظورة التابعة لوزارة الزراعة، خلال عام 2024، أن أكثر من 70% من المبيدات الزراعية المتداولة في الأسواق الليبية مصنَّفة ضمن المواد المحظورة، بعد حملات تفتيش نفذت بالتعاون بين مركز الرقابة على الأغذية والأدوية ومكتب النائب العام والحرس البلدي..

ويعكس هذا الرقم حجم الاختلال الذي أصاب منظومة الرقابة الزراعية والجمركية خلال السنوات الماضية، بما سمح بتكوين سوق واسعة لتداول مواد محظورة دولياً أو منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر..

سموم في غذاء الليبين(مصدر الصورة…مكتب النائب العام )

ماذا تعني المبيدات المحظورة؟

وفقاً للتصنيفات الدولية، تشمل المبيدات المحظورة مواد ثبت ارتباطها بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، واضطرابات الجهاز العصبي، وأمراض الكبد والكلى، وتشوهات الأجنة، والاضطرابات الهرمونية، فضلاً عن تأثيراتها السلبية طويلة الأمد على البيئة والتربة والمياه الجوفية. وقد أكدت التحقيقات الجارية أن بعض المواد المضبوطة في ليبيا تندرج ضمن المركبات المصنفة كمسرطنات أو مسببات لأمراض مزمنة لدى الإنسان..

ويُحذّر خبراء الصحة العامة من أن خطورة هذه المواد لا تقتصر على المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي، بل تمتد إلى جميع المستهلكين عبر الخضروات والفواكه والمحاصيل التي تصل مباشرة إلى موائد المواطنين..

كيف دخلت هذه السموم إلى ليبيا؟

يُثيرُ حجم المضبوطات وأساليب تداولها تساؤلات جوهرية حول آليات دخول هذه المواد إلى البلاد، إذ يصعب عملياً إدخال آلاف الأطنان من المبيدات والمحسَّنات الزراعية دون المرور عبر المنافذ البرية أو البحرية أو الجوية الرسمية..

ويشيرُ استمرار وجود هذه المواد بكميات تجارية كبيرة، إلى وجود خللٍ مركَّب يشمل ضعف الرقابة الجمركية، وقصور إجراءات الفحص الفني، ووجود شبكات استيراد وتوزيع استطاعت، على مدى سنوات، إدخال منتجات محظورة أو غير مطابقة للمواصفات إلى السوق المحلية، بما يستوجب إجراء مراجعة شاملة لجميع إجراءات الاستيراد والاعتماد والتصاريح الجمركية المتعلقة بالمستلزمات الزراعية..

تسميم بأموال الليبيين

وتزداد خطورة القضية عندما يتعلق الأمر بالاعتمادات المستندية والتمويل بالنقد الأجنبي، إذ إن استيراد المستلزمات الزراعية يتم غالباً عبر شركات تحصل على اعتمادات أو تسهيلات مصرفية بالعملة الصعبة، ما يعني أن جزءاً من الاحتياطيات النقدية الليبية الممولة من المال العام، قد يكون استُخدم لاستيراد منتجات تشكّل خطراً على صحة المواطنين والاقتصاد الوطني..

وفي حال ثبت حصول شركات أو أفراد على اعتمادات رسمية لاستيراد مواد محظورة أو غير مطابقة للمواصفات، فإن الأمر يتجاوز حدود المخالفة الإدارية أو التجارية، ليطرح شبهة جرائم تمس المال العام والصحة العامة والأمن الغذائي للدولة..

المسؤولية القانونية

من الناحية القانونية، تخضع جرائم تداول واستيراد المواد الضارة أو المحظورة، لجملة من النصوص العقابية والتشريعات المنظمة للصحة العامة وحماية المستهلك والرقابة على المنتجات الزراعية، كما أن تعمّد تداول مواد ثبت ضررها على الإنسان قد يرتب مسؤوليات جنائية ومدنية متعددة، خاصة إذا ترتب عليها إلحاق أضرار جسيمة بصحة المواطنين أو وفاتهم..

ويفتح إثبات العلم بخطورة هذه المواد، مع استمرار استيرادها أو تداولها أو تسويقها، الباب أمام توصيفات قانونية أشد خطورة من مجرد الاتجار غير المشروع، نظراً لارتباطها المباشر بحق الإنسان في الحياة والسلامة الجسدية..

خسائر تتجاوز الصحة

ولا تتوقف آثار المبيدات المحظورة عند حدود الصحة العامة، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني أيضاً، من خلال ارتفاع الإنفاق على العلاج والرعاية الصحية، وتراجع جودة المنتجات الزراعية المحلية، وفقدان الثقة في المنتج الوطني، وزيادة الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، فضلاً عن الإضرار بالبيئة والتربة الزراعية على المدى الطويل..

كما أن استمرار تداول هذه المواد يهدد فرص تطوير قطاع زراعي مستدام وقادر على تحقيق الأمن الغذائي، في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات متزايدة مرتبطة بالمياه والتغيرات المناخية وتكاليف الإنتاج..

معركة الأمن الغذائي

تكشف التحقيقات الجارية أن قضية المبيدات المحظورة ليست مجرد حملة ضبط موسمية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على حماية صحة المواطنين وأموالهم وأمنهم الغذائي..

فحين تتحول المواد المستوردة بأموال الليبيين إلى مصدر محتمل للمرض والوفاة، تصبح المسألة أبعد من كونها مخالفة تجارية أو إدارية، لتدخل في نطاق المسؤولية الجنائية والأخلاقية والوطنية، بما يستوجب محاسبة جميع المتورطين، وإعادة بناء منظومة الرقابة الزراعية والاستيراد من جذورها، حمايةً للمواطن الليبي قبل أي شيء آخر…

شاهد أيضاً

الطقس

الأحوال الجوية المتوقعة اليوم السبت

أصدر المركز الوطني للأرصاد الجوية، النشرة اليومية الخاصة بالأحوال الجوية على مختلف مناطق البلاد، وجاءت …