باختصار
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا -قبل أيام- مقاطع فيديو وصور تظهر اعتداءات وإهانات يتعرض لها عدد من المهاجرين الأفارقة الموجودين داخل البلاد، بحجة مكافحة الهجرة غير الشرعية. هذه المشاهد أثارت موجة من الجدل والاستياء، وطرحت تساؤلات جدية حول حدود التعامل مع هذه الظاهرة، والفارق بين تطبيق القانون والانزلاق نحو ممارسات لا تمت للإنسانية بصلة.
لا يختلف عاقلان على أن ليبيا هي بلد عبور رئيسي للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن الواقع بعد عام 2011 تغير بشكل ملحوظ، حيث أصبحت البلاد أيضاً وجهة إقامة للكثيرين من هؤلاء، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية في الحدود الجنوبية لليبيا، واستمرار النزاعات المسلحة في بلدانهم، إلى جانب الظروف الاقتصادية القاسية التي تدفعهم للمخاطرة بحياتهم بحثاً عن فرص معيشية أفضل.
وفي هذا السياق، من المشروع أن ترفض الدولة والمجتمع وجود أي أجنبي داخل الأراضي الليبية دون أوراق ثبوتية وإجراءات قانونية سليمة، كما أن من حق السلطات ترحيل كل من لا يملك مستندات رسمية إلى بلده، وفقاً للقوانين والاتفاقيات المعمول بها. كذلك، يظل رفض التوطين موقفاً سيادياً تعبر عنه الدولة ومواطنيها وفق رؤيتها ومصالحها الوطنية.
لكن، في الوقت نفسه، إن ما يشاهد من مظاهر عنف، كالتعدي بالضرب أو الإهانة أو التشريد، لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، فهذه الممارسات تسيء إلى صورة ليبيا وشعبها، المعروف تاريخياً بكرمه وإنسانيته، كما أنها تضعف هيبة الدولة عندما يتم تجاوز مؤسساتها القانونية والضبطية.
لهذا، فإن معالجة ملف الهجرة غير الشرعية يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية، من خلال الأجهزة المختصة، وعلى رأسها الجهات الأمنية وأجهزة مكافحة الهجرة، بما يضمن احترام القانون وحقوق الإنسان في آن واحد… كما أن اللجوء إلى ردود فعل فردية أو جماعية بدافع الغضب لا يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والتوتر داخل المجتمع.
ومن المهم أيضاً ألا ننسى أن ليبيا، تعتمد بشكل ملحوظ على العمالة الوافدة، بما فيها الأفريقية، في مجالات البناء والزراعة والخدمات…. وغيرها، وهو ما يجعل من الضروري تنظيم هذا الوجود بدل مواجهته بأساليب عشوائية وغير قانونية.
فبدلاً من استخدام العنف، ينبغي إفساح المجال لمؤسسات الدولة لتقوم بدورها الكامل في معالجة هذا الملف، من خلال ترحيل المخالفين وفق الأطر القانونية المنظمة، وبما يحفظ كرامة الإنسان ويعزز هيبة القانون، ويحفظ صورة ليبيا وشعبها المسالم، مع ضرورة دعم جهاز حرس الحدود وتجهيزه بأحدث التقنيات والمعدات، للحد من تدفق أعداد جديدة من المهاجرين عبر المنافذ غير الشرعية.
باختصار، علينا تحكيم العقل والالتزام بالقانون فهما السبيل الأمثل للتعامل مع هذه القضية المعقدة، بما يحفظ كرامة الإنسان، ويصون صورة الوطن، ويعزز دور الدولة كمظلة شرعية وحيدة لتنظيم شؤون المجتمع.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية