منصة الصباح
جمعة بوكليب

حين يرحل المايسترو

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

في البلدان ذات الأنظمة الحزبية، يُردّد الساسة دائماً أن مصلحة الوطن تعلو على المصلحة الحزبية. غير أنه حين ( يصح الصحيح) يبقى القول حبراً على ورق إلا من رحم ربي. وما يصحّ على السياسي يصحّ أيضاً على المدرب الرياضي، فكلاهما يُختبر لا بما يقول، بل بما يترك خلفه حين يرحل.

أثار رحيل المدرب الكتالاني العبقري بيب غوارديولا عن نادي مانشستر سيتي، بعد قرابة عشر سنوات، تساؤلات لا تتعلق بالرحيل في حد ذاته، بل بحجم الفراغ الذي يتركه خلفه.

مدربو كرة القدم يأتون ويرحلون، وهذا من طبيعة اللعبة. بعضهم يمر مرور الكرام، وبعضهم يحفر اسمه في ذاكرة الملاعب. أما غوارديولا فينتمي إلى صنف نادر من أولئك الذين لا يكتفون بالفوز، بل يُعيدون تشكيل المشهد الكروي برمّته.

أنا مشجع نادي ليفربول، أحد الخصوم التاريخيين لمانشستر سيتي. غير أن حبي للعبة يأتي قبل ولائي للفريق. وأرى أن رحيل غوارديولا خسارة للكرة الإنجليزية قبل أن يكون خسارة لناديه.

فخلال عشر سنوات، حوّل غوارديولا فريق مانشستر سيتي إلى ما يشبه الأوركسترا الكُروية، يقودها بيدٍ من يحسن العزفَ لا من يحسن الأوامر. كانت مبارياته متعة بصرية وفنية في آنٍ: ضغط مُحكم، تمريرات قصيرة ، حركة جماعية تبدو مُقيَّدة بخيوط غير مرئية يمسك بها المايسترو من الجانب. وقد ترجمت هذه الفلسفة إلى عشرين لقباً في بطولات محلية وأوروبية، من بينها التاج الأوروبي الذي طالما حلم به النادي.

الأثر أهم من الأرقام. غوارديولا لم يُحوّل مانشستر سيتي إلى بطل فحسب، بل أجبر المنافسين على التطور، ورفع سقف التوقعات في الدوري الإنجليزي الممتاز إلى مستويات لم تكن مألوفة.

الآن وقد رحل، لن يبكيه مشجعو ليفربول ولا غيرهم من مشجعي الفرق المنافسة لكنهم في سرّهم يعرفون أن ملاعب كرة القدم الإنجليزية تفتقد بغيابه شيئاً لن يُعوَّض بسهولة: فكراً كروياً حوّل اللعبة إلى فنّ.

 

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الأضحى وما بعده

في عيد الأضحى لا يكون الطعام مجرد مائدة عامرة إنما يتحول إلى معنى ورسالة ولحظة …