منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

السلامة المرورية.. كمشروع وطني

لم يعد إحصاء عدد الحوادث والوفيات والإصابات كافيًا لمواجهة مشكلة السلامة المرورية في بلادنا. فالجداول والرسوم البيانية تصف ما وقع، لكنها لا تفسر لماذا وكيف وقع، ولا تكشف آثاره الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن تكرار الحوادث كمًا ونوعًا يبرز الفارق بين مجرد إحصائها، وبين إدارة مخاطرها، وبناء سياسة وطنية للوقاية منها.

نحتاج اليوم إلى الانتقال من مجهود جمع الأرقام إلى ثقافة إنتاج المعرفة. فكل حادث مروري هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، ولا يمكن فهمه أو الوقاية منه بدراسة أحدها بمعزل عن غيره، ولا اختزال أسبابه في السرعة. ولهذا، فإن أي سياسة وطنية جادة للسلامة المرورية يجب أن تستند إلى قاعدة بيانات متكاملة تشمل بيانات السائق والمتضرر، المركبة، الطريق، الظروف البيئية والزمنية المحيطة، والنتائج الطبية المترتبة على الحادث، بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفها.

وتشمل أيضًا معلومات عن الوفيات هل كانت فورية أم وقعت بعد رحلة علاج؟ وما إذا كان تفاقم الإصابة بسبب تأخر الإسعاف أو سوء التعامل مع المصاب. ويجب معرفة طبيعة الإصابة، وموضعها، ودرجتها، ومدة العلاج، ونسبة التعافي، والإعاقات التي خلّفتها، وأثرها في قدرة المصاب على العمل وممارسة حياته الاجتماعية. كما أن قراءة الواقع المروري لا تقتصر على معرفة المدينة التي صدرت منها رخصة القيادة أو سُجلت فيها المركبة، بل تتعداها إلى المكان الفعلي لاستخدامهما.

ولمساعدة صانعي القرار على تحديد الأسباب الحقيقية للخطر، وبناء إطار وطني فعّال للسلامة المرورية، ينبغي طرح أسئلة حول مدى تطبيق اشتراطات الأمن والسلامة عند استيراد المركبات وقطع غيارها وزيوتها وإطاراتها، وعند تسجيلها؟ وعن البيانات المتعلقة بالطريق من حيث التصميم الهندسي، وخصائص الرصف، والإنارة، والإشارات والعواكس واللوحات المرورية، وحساب معاملات الاحتكاك والانزلاق، وقياس الوزن والحمولة، ونسبة التلف في الطرق بسبب الاستخدام القانوني أو الجائر، فضلًا عن عوامل التشتيت البصري والسمعي، وأحوال الطقس، والتوقيت، ومواقع تكرار الحوادث بكل مدينة.

إن بناء إطار وطني للسلامة المرورية ليس جهدًا إحصائيًا فحسب، بل مشروع دولة تتكامل فيه جهود المؤسسات التشريعية، القضائية، الهندسية، الأمنية، الاجتماعية، الصحية، التعليمية، والبيئية، وتتوفر له قاعدة بيانات موحدة دقيقة تحول المعرفة إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ تهدف لحماية الإنسان، وصون حقه في تنقل آمن وجيد، وتخفيف الأعباء المعنوية والمادية على الفرد والمجتمع.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د. المهدي الخماس

التوثيق وسلامة المريض

صباح الجمعة:  الأفكار تتزاحم كثيرا عندما تمر أمور الصحة والتعليم الطبي بذهنك. نشاهد هذه الأيام …