طمع انقضاء الأيام شهر أبريل، بدأت ثمار البرتقال تقل و تختفي من الأسواق و التي اعتادت على رائحته النفاذة واللون الزاهي لحباته وكأنها تستعد لوداع موسم كان سخياً كعادته.
طوال الموسم كانت رحلة البرتقال بأنواعه تبدأ عند الفجر في البساتين ، حيث تلتقط الحبات بعناية يدوية فائقة لضمان الحفاظ على نضارة القشرة، ومن هناك، وفي في سباق مع الزمن تتم عملية الفرز والتعبئة، حيث تصنف الثمار حسب حجمها وكثافة عصيرها وطعمها ، ثم تنطلق الى أسواق الجملة الكبرى، حيث تتحول هذه الحبات إلى عملة صعبة يتهافت عليها تجار التجزئة، قبل أن تستقر في النهاية على موائد الليبيين، إما كفاكهة طازجة تزين الجلسات العائلية أو كعصير طبيعي يمنح الانتعاش الأخير قبل اشتداد حرارة الصيف. هذه السلسلة، التي تربط الفلاح بالتاجر ثم المستهلك، هي التي تمنح الذهب البرتقالي قيمته الحقيقية قبل أن يودعنا مع نهايات موسمه .
والان قد أسدل الستار تقريباً على المشهد الذي بدأ في نوفمبر الماضي؛ فالحقول الممتدة من ورشفانة إلى قصر بن غشير، وصولاً إلى بساتين الزاوية والقره بوللي وعلى طول الساحل الى الزويتينة والمرج والجبل الاخضر، أفرغت ما في جعبتها من كنوز الحمضيات الشتوية، و يخبرنا الباعة بأسى خفيف أن ما نراه اليوم ليس إلا “بقايا الموسم، حيث يقل الإنتاج الطازج تدريجياً ليفسح المجال أمام الأصناف الصيفية التي تنتظر حرارة شمس مايو لتنضج.
هذا التحول ليس مجرد دورة زراعية، بل هو طقس اجتماعي ليبي بامتياز، فبينما كان السكري والحامض والدمي سيد الموائد في الأمسيات الباردة، تتحول الذائقة الآن نحو ترقب فواكه الربيع المشرقة، كالمشمش، وبينما تلملم أشجار الحمضيات أوراقها بانتظار موسم جديد، يظل شهر أبريل هو تلك المنطقة الرمادية أو الفترة الانتقالية التي يرحل فيها البرتقال الشتوي بوقاره، تاركا خلفه حنينا دافئا يمتد حتى الشتاء القادم.
إنه اقتصاد الأرض الذي لا يخطئ موعده، حيث تنتهي حكاية “الذهب البرتقالي” لتبدأ فصول أخرى من خيرات المتوسط.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية