ألرئيسيةاستطلاعاتالثقافية

البرامج الثقافية… بين واقع الغياب وحقيقة التغييب !

إستطلاع/ مهند شريفة

للإعلام دور حيوي في النهوض بالوعي الجمعي للفرد وللجماعة ويظل الإعلام من أخطر وأهم الأجهزة التي تستهدف تقريبًا جميع الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية، وتساهم بشكل أو بآخر في تكوين الواقع المعرفي لدى المتلقي، وتجيء في هذا الخضم الثقافة كأحد أبرز الروافد التي تصوغ المنظومة الإعلامية تبعاً لأبجديات المهنة وحاجة عقل المتلقي لذلك …

وفي ضوء هذا السياق نلمس حجم ما وصل إليه إعلامنا العربي من تردي لهُويتنا الثقافية، ولعل السبب في ذلك يُعزى لغياب أو تغييب البرامج الثقافية عن المشهد الإعلامي وإن وجدت هذه البرامج فغالبًا ما تذاع على استحياء وفي مواقيت تنخفض فيها نسب المشاهدة، فلا تصل إلا لشريحة محدودة جدًا من المشاهدين ناهيك عن افتقارها لمعايير الجودة الموضوعية المتوخاة …

وبالتالي بتنا نقف إزاء حالة إعلامية لا تحتفي إلا بسفاسف المواضيع ولا تُولي اهتمامها سوى بما هو سطحي وخليع، مما ساعد على تهديد الأخلاقيات العامة للأفراد وأفرز أجيالاً تجهل تمامًا كل شيء عن تاريخها وأعلامها، بل إنها في بعض الأحوال تُصرّ على جهالتها بصورة ما من التعنت، وكذلك انعكاس ذلك على الأداء المهني للإعلاميين أنفسهم ففسدت لغة أكثرهم وتميَّعت أساليبهم الحوارية فاستحالت الأقنية التلفزية لمحض سجال بذيء تُصفّى عبره الحسابات الضيّقة وملاذًا للفضائحية …

وحول حساسية هذا الموضوع طرقنا أذهان نخبة من المبدعين والإعلاميين وذوي الشأن عن الأسباب الكامنة وراء غياب وتهميش البرامج الثقافية على الشاشات التلفزية العربية، هل لكون هذه النوعية من البرامج لا تُشجع الوكلاء والمعلنين على الإقبال عليها لمحدودية مكاسبها ؟ ولماذا حتى وإن توفرت الإمكانات المادية لا يلقى هذا الصِنف من البرامج الرواج الممكن ؟

زاهي وهبي اعلامي وشاعر لبناني

تَغييبُ العقل العربي

لا أعتقد أن أمةً تستطيع أن تصنع نهضتها وتقدّمها ما لم تحترم ثقافتها ومثقفيها، بل ما لم تحترم الثقافة الإنسانية بشكل عام، خصوصاً وأنا بتنا نعيش في عصر تتداخل فيه الثقافات وتتلاقح بشكل غير مسبوق. ولا غلو في القول إن أبرز أسباب الجحيم الذي نعيشه هو في عدم إيلائنا للشأن الثقافي(فكراً وأدباً وفناً وعلماً) الأهمية الواجبة والضرورية. ولا يغيب عنا سؤال حول مسؤولية أنظمتنا العربية الحاكمة في تعميم التجهيل والبطالة والأمية وكل الآفات التي أوصلت شعوبنا وأوطاننا إلي الدرك الأسفل الذي بلغناه.

ولئن كان تقدّم الأمم يُقاس بمدى إنتاجها الإبداعي فكراً وعلماً وأدباً وفناً. فإن شاشاتها المرئية تعكس واقع حالها في هذا المجال، وفي كل مجال. لذا كلما تابعت برنامجاً ترفيهياً من برامج «الترفيه» التلفزيونية الدارجة هذه الأيام خطر في بالي سؤال مقلق مفاده لماذا لا تنفق الفضائيات العربية على البرامج الثقافية واحداً في المئة مما تنفقه على التسلية والترفيه التي تكلفها ملايين الدولارات؟ أو مما تنفقه على برامج التحريض السياسي والطائفي وتثوير العصبيات القاتلة؟

قبل محاولة البحث عن إجابة للسؤال الذي يدور في أذهان كثير من مشاهدي التلفزيون، أسارع إلى القول إنني لا أعارض برامج التسلية والترفيه ولا أدينها، وأعتبرها ضروريةً للمشاهد ضرورةَ الثقافة نفسها، خصوصاً في هذا الجزء من العالم حيث الحروب الطاحنة والأزمات الشائكة والضغوط اليومية تجعل حاجتنا ماسّة إلى فسحة تنسينا ولو قليلاً بعضاً من همومنا وشجوننا.

المآخذ التي نسوقها تجاه هذا النوع من البرامج، تتمحور حول طبيعة ما يُقدَّم تحت مُسمَّى الترفيه فيما الترفيه بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، وكذلك في غياب التوازن بين التثقيف والترفيه في الانتاج والبثّ التلفزيونيين، لا سيما أننا بتنا في عصر لم يعد يجدي فيه المنع والقمع ولا الرقابات الغبية المتخلفة، وهذا يضع على عاتق العاملين في مجال البثّ العام المزيد من المسؤوليات التثقيفية والتربوية بعيداً من أسالييب الوعظ والإرشاد الجافة والمتحركة.

رُبَّ قائل ليس وظيفة التلفزيون تثقيف الناس بل تسليتهم. يصحّ هذا القول لو كانت مجتمعاتنا مستقرة مزدهرة متجاوِزة لكثير من مشاكلها وأزماتها، لكن في بلاد كبلادنا التي لا تزال تعاني من مشكلات حيوية مثل الأمية والبطالة والفقر والتطرف والارهاب تغدو وسائل الإعلام منابر ضرورية للمساهمة في التنوير المُلِحّ  والمطلوب عِوَض أن تكون منابر للتحريض وبثّ سموم الفتن والتفرقة كما هو حاصل حالياً.

أليس غريباً ومريباً أن يكون عدد الفضائيات العربية أكثر من ألفي فضائية فيما البرامج الثقافية تُعد على أصابع اليد الواحدة؟ لسنا من الذين يحبذون إلقاء كل مشاكلنا على نظرية المؤامرة، لكن يحق لنا الاستغراب حين يتلكأ أصحاب المال من مالكي شركات الانتاج الكبرى والفضائيات العملاقة وشركات الإعلان عن توظيف قرش واحد في البرامج الثقافية الجدية والعميقة التي تحترم عقل المشاهد العربي وتُخاطِب وعيه لا عصبياته، هنا تقفز علامات الاستفهام من تلقائها. والجواب هو أن هذا الخلل ناجم عن الجهل أو التجاهل لقيمة الثقافة ودورها في حياة الأمم، وفي الحالتين المصيبة أعظم.

أيضاً، رُبَّ قائل إن أصحاب رؤوس الأموال يتجنبون الاستثمار في الثقافة لأنها غير جذّابة للمشاهدين والمعلنين على السواء. قد يكون في هذا القول بعض الصحة لو اعتبرنا أن البرنامج الثقافي، بحسب الصورة النمطية المرسومة في الأذهان، عبارة عن مذيع متجهم يتحدث بلغة قاموسية مقعَّرة وضيف يردد كلاماً نخبوياً غامضاً مبهماً. هذه صورة نمطية قديمة ومتخلفة للبرنامج الثقافي التلفزيوني الذي ينبغي تحديثه وتطويره مثلما تطورت صناعة التلفزيون بشكل عام.

ما نقصده بالبرامج الثقافية، ليس فقط برامج الأدب والفنّ، بل أيضاً برامج تناقش أزماتنا ومشاكلنا بعيداً من الخطاب السياسي السطحي الممجوج والمشروخ، وبعيداً عن صراع الديكة الذي يساهم في التجهيل لا في التنوير، برامج تطرح بصراحة وشفافية وعمق أسباب الأمية والجهل والبطالة والفقر والتطرف والارهاب، تناقش لماذا يتراجع منسوب القراءة عند العرب ويرتفع منسوب الاستهلاك؟ لماذا تغيب مراكز البحث العلمي التي لا يمكن التقدم قيد أنملة من دونها ؟ لماذا تتخلف مناهج التعليم ولا تواكب المستجدات في العالم؟ لماذا لا يحظى المبدعون العرب بما يستحقون من اهتمام؟ لماذا لم تصل (مثلاً) السينما العربية الى العالمية إلّا نادراً؟ لماذا تراجع مستوى الغناء العربي شكلاً ومضمونًا ؟ما هي أهمية المصطلحات في ترسيخ المفاهيم؟ ما هو تعريف الإرهاب والمقاومة والثورة والحريّة؟ متى يكون فعلٌ ما إرهاباً ومتى يكون مقاومة وثورة؟ وقبل كل ذلك لماذا عجزت مجتمعاتنا عن بناء الدولة الوطنية الحديثة وأي مسؤولية للاستعمار والاستبداد في ذلك؟ وسواها من قضايا جديرة بأن توضَع على بساط البحث، لأن غيابها يساهم في تغييب العقل العربي.

لا يبرِّرنَّ أحدٌ تخاذلَ صنّاع المادة التلفزيونية عن الانتاج الثقافي الإبداعي ببعض البرامج التي تتضمن معلومات عامة مثل برامج المسابقات، أو المنافسات الشعرية على لقب من هنا وآخر من هناك، والقول إنها برامج ثقافية. هي برامج جيدة تتضمن جانباً ثقافياً، لا نعارض وجودها ولا نستنكرها، لكنها لا تمثل البديل عمّا نقترحه ونطالب به. من الواجب والضروري أن تتسع شاشة التلفزيون لأصوات المبدعين العرب من مفكرين وأدباء وشعراء وكتّاب مسرح ودراما ومختلف العاملين على انتاج نص إبداعي عربي، وما أكثرهم، لكنهم للأسف مغيبون، لأن المطلوب_كما نستنتج_ تغييب العقل العربي. اذ كيف يمكن لمشاريع الفتن والتجزئة والتقسيم أن تمر لو كان العقل العربي حاضراً ناضراً واعياً مدركاً لما يدور حوله، ويدور ضده؟

نؤمن إيماناً راسخاً أن لا خلاص لنا مما نحن فيه بغير تراكم الوعي والمعرفة. وللتلفزيون _ كما وسائل الإعلام الأخرى _ دور في هذا الأمر لا يجوز تغييبه، أو تجويفه كما يحصل الآن. لا تتقدم الأمم ما لم تحترم عقلها، وخير مَن يُعبِّر عن العقل الجمعي للمجتمعات هم المبدعون فكراً وأدباً وفناً. وكل هذا يتناقض مع ما هو رائجٌ على شاشاتنا هذه الأيام.

حين يَغِيب أو يُغيَّب العقل العربي من البديهي ساعتها أن يعمَّ الجنون المسعور القاتل كما هو حاصل الآن

ريما العمَّاري : أستاذة بقسم الإعلام جامعة طرابلس ومنتجة برامج تلفزية

مسألة تهميش البرامج الثقافية عن المشهد الإعلامي تبقى فرضية تحتاج لإثبات .. هذا لا يعني أنه لا يوجد بعض الإهمال  في إنتاج البرامج الثقافية بمفهومها الدقيق .

أما الثقافة بمفهومها فهي حاضرة  لا تغيب عن أغلب البرامج التلفزيونية  في صورة “وجبات خفيفة “  وبشكل مسطح إن صح القول فلا تغوص في عمق القضايا الثقافية ولا تعكس بشكل جيد كل ما يحدث في المشهد الثقافي المحلي أو العربي .

عوامل عدة ربما لا تشجع القنوات التلفزيونية على تبني خطاب البرامج الثقافية ، منها تصنيف جمهورهذه البرامج من النخبة  وبالتالي لا يكون متاحا للجميع، وهنا تقع المسؤولية أيضا على المثقفين في تمسكهم بالخطاب النخبوي مما يزيد الفجوة بين المثقف والمتلقي ولا يجعل الثقافة في متناول الجميع.

كما لم تجتهد القنوات  أيضا في تقديم الثقافة بشكل معاصر ومشوق للمتلقي ، وهذا ينطبق أيضا على الحراك الثقافي المتقوقع على نفسه والخجول الذي لم يبتكر طرقا جديدة لعرض المحتوى الثقافي .

أيضا لا يمكن تجاهل أن القنوات التلفزيونية تفتقر للكوادرالإعلامية المثقفة أو أنها لا تهتم بتوظيف تلك الكوادر بقدر اهتمامها بتوظيف كوادر تحقق نسب مشاهدة أعلى وفق معايير تناسب “صناع الميديا” .

هناك استثناءات ربما استوقفتني في الفترة الماضية منها تجربة الشاعر” تميم “ في إحدى القنوات العربية .. الذي قدم من خلالها محتوى ثقافيا في قوالب  شبابية حديثة ، موظفا كل ما تقدمه الميديا من إمكانات فنية لصالح النص الأدبي “  شعر، نثر.”

وتبقى كل المحاولات لإنتاج برامج ثقافية ترتقي بذائقة المتلقي وتلبي احتياجاته من المعرفة والوعي مرهونة بتوفر إمكانات إنتاجية لا تنتظر مقابل ربحي .. ليتغير مفهومها  الربحي إلى التزام إزاء وظيفة هي إحدى أهم  وظائف الإعلام التي أوجد من أجلها و منذ قرون و دُرّست ودرسناها في كليات الإعلام ألا وهي وظيفة   “التثقيف. “

زياد جيوسي : كاتب وناقد فلسطيني

حين نفكر بهذه المسألة وهي غياب البرامج الثقافية على الشاشات العربية، علينا أن نستعيد في الذاكرة كيف كان للثقافة دورها قبل عهد التلفزة، وكيف كانت حلقات المثقفين تجمع الناس من حولها وكيف كان لها تأثير كبير على الرأي العام المحيط بها، ولكن نلاحظ وعبر العقود الماضية أنه وبعد ظهور التلفزة كان للثقافة والمثقفين في البداية ظهور إيجابي وإن كان محدودا، لكنه عبر مرور السنوات بدأ التهميش يظهر علنا وبدون خجل من الإخفاء والتهميش، فالقنوات المؤثرة بمعظمها موجهة من بعض الدول التي لها توجهاتها بتغيير الفكر العربي وإشغاله بقضايا أخرى لا علاقة لها بالثقافة والمثقفين، وهذا بدأ يظهر وكما قلت منذ عقود من الزمن من خلال تغريب الطفل عن الثقافة والقراءة، وإشغال الناس بالركض وراء لقمة الخبز، وانهيار منظومة التعليم، فتحول المعلم من قيمة اجتماعية لها تأثيرها على المجتمع، إلى مجرد مهنة بالكاد تطعم من يعمل بها فاتجه المعلم للبحث عن وسائل عمل أخرى تعينه على مطالب الحياة، وهذا أثر على مستوى التعليم ومن ثم القراءة التي أصبحت تتراجع وأصبحت المكتبات المدرسية ليست أكثر من ديكورات، لا تحظى بالاهتمام وهذا أدى تلقائيا إلى ابتعاد الناس عن الثقافة والكتب وأصبح حال المثقفين والكتاب لا يحسدون عليه.

إن تغييب المثقف والثقافة لم يأت صدفة وليس عبثا، لكنه عبر توجه مر بسنوات طويلة، فمن منا ومن كبار السن لا يذكر بسطات الكتب التي كانت تملأ الأرصفة بالمدن العربية الرئيسة التي اختفى معظمها ولم يعد لها وجود، وأصبحت تكلفة الكتب عالية فتحولت المكتبات لبيع الألعاب للأطفال بدلا من الكتب، وهذا اكتمل في عهد الفضائيات، فجرى تغييب الثقافة والبرامج الثقافية، بينما جرى الاهتمام ببرامج تدمر العقل العربي من برامج هابطة ومنها على سبيل المثال البرامج تحت ستار الدين التي تدس السم بالعسل في عقول المشاهدين، وبرامج التسلية والمواهب وتفسير الأحلام والشعوذة وغيرها، إضافة لرداءة مقدمي البرامج الثقافية إن وجدت، فأذكر أني استضفت في برنامج لمناقشة أحد كتبي وإذا المذيعة الطفلة تتعامل معه أنه رواية رحلات وهو لا علاقة له بذلك ولا علاقة لي أنا ككاتب بالرواية أيضا، فهي لم تقرأ الكتاب ولم تهتم بمعرفته وخرج برنامج خجلت منه.

إذاً الأصل هو التوجه الخفي لأخطبوطات الإعلام لشطب الثقافة وتحويل الشعوب إلى قطيع مسيطر على فكره وتوجهه، وإبعاد الثقافة تماما إلا ثقافات تخدم توجهات السيطرة على العقول، وليس للإعلان في هذه البرامج دور كبير في إبعاد المحطات عن هذا النوع من البرامج.

حنين عمر : شاعرة وصحفية ليبية

الثقافة مجموعة من الأفكار والقيم والممارسات والمعارف والعادات وأشكال الهوية والعادات الموروثة التي يتكون منها المبدأ الأخلاقي لأية أمة وما يعرض على الشاشات الفضائية قابل للتأثير والتأثر ومما لا شك فيه أن البرامج بأشكالها تساهم في تشكيل فكر المجتمع وتوجهه، ولها دور كبير في تطور المجتمع واتزانه أوانحلاله، فدور الإعلام في عملية التثقيف مهم جدًا وفي الاونة الأخيرة برأيي غاب دور الثقافة عن الإعلام ولم تعد البرامج الثقافية مدرجة ضمن خطط القنوات الفضائية ربما يرجع ذلك للتوجه الربحي المادي لأغلب القنوات والسير مرغمة خلف ثقافة سطحية سريعة لأغلب فئات المجتمع أو أحيانًا ربما هذا ما تود القنوات عرضه وبالتالي ضرب ذائقة المتلقي.

أستطيع القول أن غياب البرامج الثقافية في الفضائيات العربية أصبحت ظاهرة واضحة للعيان وأصبحت الثقافة في آخر سلم الأولويات وإستبدلت ببرامج الترفيه والكسب المادي، وأظن أن هذه الظاهرة خطيرة جديًا لأنها بشكل أو بآخر كسرت الذوق العام لفئة عريضة من المجتمع الذي لم يؤسس على الثقافة وشغف المعرفة .

وربما قولي يؤسس لفكرة قديمة وهي أن السياسات والحكومات هي التي تؤسس لتجهيل المجتمعات لكونها في حالة نشر الثقافة ستصطدم بمعضلة حقيقية وهي معرفة الأفراد والمجتمعات المثقفة لحقوقها وواجباتها ومن ثم يصعب السيطرة عليها.

ويمكنني أن أنوه لشيء آخر وهو منتشر بصورة جلية وواضحة في القنوات المحلية و حتى العربية فمثلًا في حالة محاولة الإنسان المبدع تقديم شيء مغاير أو مختلف أو به شيئً من التميز لا يجب أن يخرج عن الذوق والأخلاق العامة، فما نراه في القنوات المحلية من إسفاف ما هو إلا مرآة تعكس جهل أصحابها بكل قواعد الثقافة العامة.

ناصر المقرحي : كاتب وصحفي ليبي

تعد البرامج الثقافية أحد أهم الوسائل المتاحة لترسيخ ثقافة أي مجتمع وإبرازها للمتلقي . ومتى ما وضعت لها الخطط الدقيقة وتم الاهتمام بها من قبل الدولة أو من قبل منظمات المجتمع المدني فإن المردود سيكون إيحابيا ويمكن أن يعول عليه على المدى الطويل في مسيرة التنمية . غير أن العكس هو ما نراه سائدا – لا سيما في المجتمعات العربية – حيث التهميش والإقصاء جزء من نظرة المجتمع ومنظومته الإعلامية للثقافة كآداب وكفكر وكفنون . وفيما يتم تخصيص مساحات زمنية شاسعة لترويج الإسفاف والابتذال لا نجد أية مساحات مخصصة للثقافة الجادة في وسائط الإعلام الجماهيرية المختلفة . وإن خصصت فبشكل محتشم ومحدود وبإمكانات متواضعة بحيث يتعذر معه تحقيق الوعي المطلوب والرفع من درجة التحسس  الجمالي الجمعية متى ما تمت رعايتها وتعهدها بالتهذيب وسينعكس ذلك في هيئة سلوك حضاري وانفتاح على الآخر والاعتقاد بقيم التسامح والتعاون وهي القيم التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى . وبإمكان الثقافة كمكون راسخ وأصيل في المنظومة الكلية للمجتمعات أن تلعب دورا إيجابيا في هذا الخصوص . لا بل إن الثقافة هي الأرضية التي سيتأسس عليها  البناء وإذا ما كانت متينة فإن البناء سيكون متينا وراسخا وأما إذا ما كانت هشة فإن ما فوقها يظل قابلا للزوال والانهيار في أية لحظة ، وهذا يحتم علينا الاهتمام بالثقافة كرهان حقيقي من رهانات المستقبل وأقل ما يمكن أن نقوم به هو إفراد مساحة تليق بها في وسائل الإعلام المختلفة والتعاطي معها بجدية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق