منصة الصباح
الأسرة الليبية بين الترابط الاجتماعي وضغوط الواقع

الأسرة الليبية بين الترابط الاجتماعي وضغوط الواقع

يحيي العالم في الخامس عشر من مايو من كل عام اليوم العالمي للأسرة، والذي اختارت له الأمم المتحدة هذا العام شعار: “العائلات، وعدم المساواة ورفاهية الأطفال”، في رسالة تؤكد أهمية دعم الأسر وحماية الأطفال من تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزاعات.

وفي ليبيا، لا تزال الأسرة تمثل أحد أهم ركائز المجتمع، إذ حافظت لسنوات طويلة على ترابطها الاجتماعي وتماسكها رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي شهدتها البلاد.

دراسات تؤكد الترابط القرابي القوي

وتؤكد دراسات صادرة عن جامعة طرابلس أن الأسرة الليبية تتميز بما يعرف بـ “الترابط القرابي القوي”، حيث تلعب العلاقات العائلية الممتدة دورًا مهما في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقديم الدعم النفسي والمادي للأفراد.

كما أظهرت الدراسات وجود علاقة بين حجم الأسرة وقدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية، إذ تعتمد كثير من الأسر الليبية على توزيع الأدوار بين أفرادها، بما يعزز الشعور بالأمان والتماسك الداخلي، فيما لا تزال السلطة الأبوية تلعب دورا رئيسيا في الحفاظ على توازن الأسرة رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا الصدد يقول الحاج عبدالله وهو أب لسبعة أبناء وثلاث بنات يعيش في منطقة قصر الأخيار إن الحياة الأسرية تعتمد اعتماد كامل على الاب والأم في كيفية تعليم الأبناء على الاحترام والعيش الكريم وفق ما يقدمه الأب والأم لهم من غداء وكساء وتعليم زد على ذلك كيفية احترام الغير واحترام بعضهم البعض أيضا .

الحروب والصراعات أزمة عيش

لكن هذا التماسك واجه تحديات متزايدة خلال سنوات الصراع، خاصة بين عامي 2011 و2020، وفي هذا السياق، يقول الباحث عبد السلام عمر امرايف في دراسته “الآثار الاجتماعية للصراعات السياسية على الأسرة الليبية” إن الحروب والنزاعات المسلحة تركت آثارًا كبيرة على النظام الأسري، نتيجة مقتل وتهجير ونزوح آلاف الليبيين، ما أثر بشكل مباشر على بناء الأسر الليبية وتماسكها وأدائها لوظائفها الاجتماعية.

وتوضح الدراسة أن آثار الصراعات لم تقتصر على الخسائر البشرية فقط، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي الليبي بأكمله، باعتبار الأسرة اللبنة الأساسية لهذا المجتمع.

ظروف مؤثرة على الأسر

ورغم ذلك، بقيت الأسرة الممتدة تمثل “شبكة أمان اجتماعي” للكثير من العائلات، خاصة في ظل البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على السكن.

كما تواجه الأسرة الليبية تحديات أخرى مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، حيث ارتفعت معدلات القلق بين الشباب وتأخر الزواج بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وهو ما انعكس على تكوين الأسرة واستقرارها.

أحمد مصطفى يقول إن والدهم ترك لهم قطعة أرض في منطقة خلة الفرجان تبلغ مساحتها 750 متر، مضيفا “بنيت أنا وإخوتي مبنى يضمنا من ثلاث طوابق ولكن أتت الحرب ودمرت كل أحلامنا، تعب سنوات راح في قذيفة أرسلها مغامر بحياته وحياة الناس، لم تعد لدي الرغبة في تكوين أسرة”.

تأثر الأطفال بالأزمات

أما الأطفال، فهم الفئة الأكثر تأثرًا بالأزمات، بحسب دراسات اجتماعية حديثةـ فقد قدمت الباحثة فرح فتحي أبوعرقوب من جامعة طرابلس بدراسة تناولت آثار الحروب والصراعات المسلحة على الأطفال في مناطق الاشتباكات، وأظهرت أن الحروب أثرت بشكل كبير على مشاعر الخوف والتحصيل الدراسي لدى الأطفال، مع توصيات بضرورة توفير برامج دعم نفسي وتأهيلي للأطفال المتضررين.

وفي جانب آخر، تناولت دراسة الباحث عبد الله قاسم حول مشكلات الأبناء في الأسرة الليبية بمنطقة براك الشاطئ التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها المراهقون، خاصة في الفئة العمرية بين 15 و17 عامًا، مؤكدة أن الأسرة لا تزال تتحمل العبء الأكبر في مواجهة هذه الضغوط.

ورغم التحولات الاجتماعية وتأثير التكنولوجيا والأوضاع الاقتصادية، لا تزال القيم والأعراف الاجتماعية تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على التماسك الأسري داخل المجتمع الليبي، خاصة خلال الأزمات والمناسبات الاجتماعية، حيث تظهر قيم التكافل والتعاون بين الأقارب والجيران بشكل واضح.

ويرى مختصون أن حماية الأسرة الليبية تتطلب تحسين الظروف المعيشية، وتوفير فرص العمل والسكن، وتعزيز الاستقرار، إلى جانب دعم الأطفال والشباب نفسيًا واجتماعيًا، باعتبار الأسرة حجر الأساس في استقرار المجتمع الليبي.

ورغم ما واجهته الأسرة الليبية من تحديات فرضتها الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، فإنها ما تزال تحافظ على جزء كبير من تماسكها، مستندة إلى قيم التكافل وروابط القرابة التي شكّلت على الدوام عنصر قوة داخل المجتمع الليبي.

وبين ضغوط الواقع وتغيرات الحياة، تبقى الحاجة ملحّة إلى سياسات وبرامج تدعم استقرار الأسر، وتحمي الأطفال والشباب، وتوفر بيئة معيشية أكثر أمانًا، بما يضمن الحفاظ على الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع ومستقبله.

شاهد أيضاً

تونين.. قرية من الطين تحفظ ذاكرة الصحراء وتكتب اسم ليبيا في سجل التراث العربي

تونين.. قرية الطين الحافظة للهوية

 تقرير/ مني عريبي في قلب الصحراء الليبية، حيث تمتزج الرمال بذاكرة الإنسان، وحيث ما تزال …