منصة الصباح
د. علي عاشور

أَزَمَاتٌ تَشْتَد…وَصَبْرٌ يَمْتَد

د. علي عاشور

   لم تعد الأزمات في ليبيا مجرد أحداث طارئة يمكن احتواؤها أو انتظار انتهائها، بل تحولت تدريجياً إلى حالة دائمة تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح المواطن يعيش داخلها ويتعايش معها، ويتعامل معها كواقع مستمر لا حدث عابر. 

    فالمشهد اليوم لم يعد ذلك الذي يعرف بداية أزمة ونهايتها، بل أصبح سلسلة متصلة من الضغوط، حيث لا يكاد المواطن يرفع رأسه من أزمة حتى يجد نفسه في قد وقع في أزمة أخرى، دون فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه أو إعادة ترتيب حياته.

    هذا الوضع المستمر للأزمات خلق وضعاً خاصاً لحياة المواطن، حيث لم يعد الحديث عن حلول جذرية مطروحا بقدر ما أصبح التركيز منصبا على كيفية التكيف مع الوضع القائم.

    فالمواطن في ظل هذه الظروف، لم يعد يملك أدوات التأثير أو القدرة على تغيير المسار العام للأحداث، الأمر الذي جعله يلجأ إلى خيار وحيد تقريباً وهو: التأقلم مهما كانت الكلفة.

   وفي هذا الواقع، برزت ظاهرة يمكن وصفها بالحلول التلفيقية، وهي تلك المحاولات الفردية التي يلجأ إليها الناس لتجاوز الأزمات بشكل مؤقت، دون أن تمس جذور المشكلة، فالبعض يعيد ترتيب أولوياته بشكل مستمر، ويكتفي بالحد الأدنى من احتياجاته، بينما يضطر آخرون إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، أو الاعتماد على شبكات العلاقات الاجتماعية لسد الفجوات التي تتركها الأزمات… هذه الحلول – رغم بساطتها- أصبحت جزء من نمط الحياة اليومي للمواطن، وأداته الأساسية للبقاء.

    ولا تتوقف هذه الأزمات عند جانب واحد، بل تمتد لتشمل مختلف تفاصيل الحياة، بدءاً من أزمة الكهرباء التي باتت تتحكم في يوم المواطن، مرورا بأزمات نقص مياه الشرب وزيادة أسعارها، ووصولا إلى القلق المتزايد بشأن سلامة الغذاء، لاسيما مع انتشار استخدام المبيدات والمواد الكيميائية في الخضروات، إلى جانب نقص السيولة في المصارف، وارتفاع الأسعار بشكل مستمر دون ضوابط، وتراجع القدرة الشرائية، ناهيك عن التحديات الأمنية التي تزيد من شعور المواطن بعدم الاستقرار، إضافة إلى أزمات الوقود أحيانا، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع مستوى التعليم، وغياب فرص العمل الكافية، وانتشار الوساطة والمحسوبية…. وهي كلها أزمات متداخلة تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة وتعقيدا… وتشعر المواطن الليبي بالغبن والظلم والقهر.

     بيد أن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في استمرارية الأزمات، بل في التحول النفسي الذي يرافقها… فمع تكرار الضغوط وتواليها، يبدأ المواطن في فقدان حساسية الرفض، ويتحول التكيف تدريجيا إلى نوع من القبول الضمني بالوضع المأساوي…. ليس اقتناعا، بل نتيجة للإرهاق والتعب الذي عاش فيه وتعود عليه.

    ورغم ذلك، يواصل المواطن الليبي أداء أدواره اليومية، في مشهد يعكس قدرا كبيراً من الصبر والجلد، حيث لا يزال يذهب إلى عمله، ويهتم بأسرته، ويحاول الحفاظ على تماسك حياته قدر الإمكان، في ظل ظروف متقلبة وغير مستقرة…. هذا الصمود المستمر هو ما رسخ وصف شعب الله الصبور، ليس كمبالغة بل كواقع يعيشه الناس يومياً..

     إلا أن هذا الصبر الذي يتمدد مسايرا للأزماترغم أهميتهيطرح تساؤلات مشروعة حول حدوده وإمكانية استمراره، فالمواطن الليبي يعيش اليوم في دائرة مغلقة من التحديات، يحاول التكيف معها بوسائل محدودة، ويبتكر حلولاً مؤقتة تضمن له الاستمرار دون أن تمنحه الاستقرار، فالصبر مهما طال له حدود، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيظل الصبر هو الخيار الوحيد أمام المواطن، أم أن هذه الدائرة ستكسر يوما ما

شاهد أيضاً

برج اتصالات معدني ضخم مقسم باللونين الأبيض والأحمر يرتفع فوق مبنى خدمي صغير وسور خشبي، وتظهر في الأسفل سيارة بيضاء متوقفة وخطوط أسلاك كهربائية في السماء

سكان وادي عتبة يشكون ضعف خدمات الاتصالات والإنترنت ويطالبون بتعزيز التغطية

اشتكى عدد من سكان وادي عتبة من تراجع جودة خدمات الاتصالات والإنترنت، مؤكدين أن عدداً …