ألرئيسيةفنون

أضواء وظلال تتحرك على الشاشة

 

سينما

رمضان سليم

يمكن أن تكون هناك إضافات كثيرة يحققها هذا الكتاب «فن الضوء» الصادر عن المؤسسة العامة للسينما في سوريا، فهو كتاب حول التصوير بشكل عام وما أقل الكتب الفنية في هذا الحقل رغم أن التصوير يعد أساس السينما وخصوصا وان التصوير بكل فنونه المختلفة قد اعتبر ميدانا تطبيقيا وعمليا لا يكون للتنظير فيه رأي إلا في القليل النادر فضلا عن أنه فن يأتي عبر الممارسة العملية التي تدعم بالدراسة النظرية وفي حدود ضيقة.

لكن رغم كل ذلك فإن الأساس النظري هو المنطلق ، فمن غير رؤية فكرية محددة لا يستطيع مدير التصوير التعامل مع الكاميرا بفنية متميزة ولهذا كان مدير التصوير الجيد هو الشخص الثاني في الفيلم بعد المخرج فعليا وعمليا رغم أهمية كاتب السيناريو والمونتير وصانع الديكور والموسيقا.

ولعل التداخل بين عمل المخرج وعمل مدير التصوير وأحيانا المصور هو ما يجعل دور إدارة التصوير متراجعا نسبيا، لأن المخرج هو الذي ينسب إليه مجمل الأعمال والحلول الفنية على حساب مدير التصوير وغيره من اصحاب المهن.

هذا الكتاب هو إذن في مجال التصوير ومؤلفه هو الدكتور ماهر راضي والذى أسهم في إدارة تصوير الكثير من الأفلام المصرية ومنها مذكرات مراهقة – العاشقان – الشرف – كلام الليل – دانتيلا – زيارة السيد الرئيس – موعد مع الرئيس – أيام الغضب – الأفوكاتو، وغير ذلك من الأفلام الروائية والتسجيلية.

يقول الاستاذ عبد الفتاح رياض في تقديمه لهذا الكتاب بأن خبرات ودراسات الكاتب الدكتور ماهر راضي قد أتاحت له تقديم الكثير من الإضافات العلمية ومنها:

أولا: تحديد منهج علمي لأول مرة عربيا لاستخدام لغة الضوء في التعبير.

ثانيا: تحديد عناصر لغة الضوء وتحديد دور كل عنصر والقواعد والأسس العلمية التي يستخدمها مدير التصوير في تكوين جمل ضوئية.

ثالثا: اكتشاف طبقة الإضاءة المتوسطة.

رابعا: تعريف طبقة الإضاءة بأنها شكل فني وليست أسلوبا إضافيا فقط.

خامسا: إدخال اللون كعنصر من العناصر التي تضاف إلى طبقة الإضاءة.

سادسا: دراسة اللقطة العربية الخاصة بالوجوه بشكل شامل .

سابعا: إضافة كيفية استخدام مدير التصوير للمنهج في البناء الضوئي للصورة ورسم التأثيرات الضوئية من خلال دراما العمل الفني.

وهنا ينبغي أن يطرح السؤال حول مدى تحقق كل ذلك وهو ما تشير إليه قراءة هذا الكتاب بكل الاستنتاجات المستخلصة والأهداف المتحققة.

بالطبع لابد لنا أن نتذكر ونحن نتصفح أبواب كتاب «فن الضوء» ذلك الكتاب الشهير المترجم إلى العربية بعنوان «الرسم بالضوء» لمؤلفه جون اكتون والمنشور عام 1964 ضمن سلسلة الألف كتاب ، كما أن هناك بعض الكتب الأخرى التي تربط بين التصوير السينمائي والفنون التشكيلية وهي قليلة وأهمها مؤلفات الكاتب عبد الفتاح رياض.

يقسم الدكتور ماهر راضي كتابه إلى ثلاثة أبواب  هي فن الضوء، الرسم الضوئي، ودراما الضوء.. وفي مدخل كل باب فصلان عدا  الباب الثالث فقد احتوى على فصل واحد وهو أمر ليس له ما يبرره من الناحية الشكلية والمنهجية

إن الكتاب من الحجم المتوسط وعدد صفحاته يصل إلى 255 صفحة وبه مراجع كثيرة عامة عربية وأجنبية وهذا من مزايا الكتاب أيضا، أما صورة الغلاف الأمامي فلم تتم الإشارة إليها مثل العادة وكذلك الأمر بالنسبة لصورة الغلاف الخلفي.

لا شك أن الباب الأول يتيح لنا فرصة السياحة مع الضوء والذي يعد فنا من فنون الدرجة الأولى أما التصوير الفوتوغرافي المعتمد على الآلة فهو يعد من فنون الدرجة الثانية حسب ترتيب الفنون، وبالأخص وفق تصنيف عالم الجمال الفرنسي «سوريو» ولكن وكما يقول المؤلف فإن استخدام مدير التصوير للضوء بشكل أساسي في التعبير ينقل مستوى العمل الفني من فنون الدرجة الثانية إلى فنون الدرجة الأولى.

إن أهم ما يميز عنصر الضوء أنه يمكن من خلاله إعادة تنظيم الواقع واختيار ما يرغب المصور في إظهاره كما أنه يستخدم الظلام والظلال في حذف ما يرغب في حذفه. هناك إذن جانب علمي للضوء وجانب آخر فني، وعلينا أن ندرك بأن التصوير الضوئي يعتبر من أصعب الفنون، ذلك لأن آلة التصوير سهلة الاستخدام في إنتاج الصورة بدون مجهود، وتنقل لنا الواقع كما هو وهنا تكمن صعوبة هذا الفن ، لأن دور الفن ليس نقل الوقائع ولكن التعبير عن هذا الواقع من خلال رؤية الفنان.

ومن ضمن ما نستخلصه من الكتاب القول بأن نظرية الرسم بالضوء ترفع مستوى العمل الفني وتجعله من فنون الدرجة الأولى.

وبهذا المعنى فإن الإضاءة لها هدفان.. الأول يتمثل في توزيع الإضاءة بشكل مناسب بما يحقق الرؤية الواضحة والهدف الثاني نوعي يتمثل في تحقيق الأهداف الدرامية وتأكيد الإحساس بالمكان والايحاء بالزمان، بمعنى تحقيق البعدين المكاني والزمني.

هناك أيضا تقسيم آخر لعالم الضوء حيث نجد له وجهان أساسيان الأول مادي والثاني روحاني. والمقصود بالمادي الواقعي، والمقصود بالروحاني تجاوز الواقعي إلى آفاق أخرى نفسية داخلية.

وما ينقص الكتاب في هذه النقطة ذكر الشواهد والأمثلة من السينما العربية والعالمية وكذلك العودة إلى الاتجاهات السينمائية المعبرة عن وجهة النظر المذكورة.

ومما يذكره الكتاب أيضا إيجاد الفوارق بين كلمة الضوء وكلمة النور وذكر تأثير كل منهما، في عودة إلى التاريخ القديم، وخصوصا تعامل الفراعنة مع الشمس والظلال، ولقد اعتمد الكاتب في ذلك على كتاب «العين تسمع والأذن ترى» للدكتور ثروت عكاشة، ليتوصل إلى القول بأن هناك نظرية للتصوير عند الفراعنة القدماء وهو رأي فيه الكثير من المبالغة، وفي جميع الأحوال فإن النتائج لها علاقة مباشرة بالمعابد الدينية ولا تتجاوز ذلك.

يتكون الباب الأول وربما كل أبواب الكتاب من فقرات متتالية تتداخل فيما بينها ، فمن دراسة لمفهوم الضوء عند الفراعنة إلى نقلة جديدة حول لغة الضوء ومفهومها في العمل السينمائي ونعني بذلك البحث في لغة الضوء وتأثيرها على الإنسان، وكذلك ارتباط الضوء بالتأثير الدرامي، ولا شك أن تداخل وتشابك المفهومين له علاقة مباشرة بوحدة العمل الفني والذي لا يحتاج إلى تجزئة بقدر ما يحتاج إلى وحدة.

ولعل النقطة الإيجابية في هذا الصدد ذلك التعامل مع الأمثلة التطبيقية السينمائية، وهنا يشير الكاتب إلى فيلم معروف للمخرج هيتشكوك وهو «سايكو» وبالتحديد إلى مشهد معين يتمثل في جريمة قتل تقع في الحمام وهو مشهد شهير صور بطبقة الإضاءة العالية، أي أن اللون  السائد كان أبيضا ولا توجد ظلال في الخلفية.

يقول الكاتب الدكتور ماهر راضي: «ولو أن المشهد اقرب الى  الناحية النفسية لكنه استخدم طبقة الإضاءة المنخفضة والتي تتلاءم مع طبيعة مشهد الجريمة، و المخرج طلب هذا الشكل لأن البناء الدرامي للسيناريو يعتمد على المفاجأة فهو لا يريد أن يوحي للمتفرج بوجود جريمة، بل يفاجئه بها، وبهذا يتضح الفرق بين التعبير بالضوء عن الحالات النفسية وبين استخدام لغة الضوء لما لها من تأثيرات نفسية في التعبير عن درامية العمل الفني.».

يصل الكاتب إلى ما يسميه بنظرية الإضاءة، حيث المنهج العام الذي يربط بين الظروف المناخية والطبيعة الجغرافية فهناك إضاءة أوربية مثلا تفرضها الأجواء المحيطة أو إضاءة منخفضة لانخفاض شدة الضوء مما يساعد على انخفاض التباين أيضا.. أما الإضاءة التي تتطلبها الأجواء في مصر فهي على العكس تماما.

وبشيء من التفصيل يرى المؤلف أن الإضاءة مرتبطة بالجغرافيا وتحولات أشعة الشمس ، حيث يحضر الشكل الأول في الفجر والشروق والغروب، ويحضر الشكل الثاني في مرحلة أخرى مختلفة عن الأولى ، والشكل الثالث هو أصعبها لأن الشمس فيه عمودية تفرض ظلالا كثيرة.

ورغم أن هذه المعادلات المطروحة والتي يمكن اختصارها في ثلاثة أوصاف يمكن أن تنطبق على أماكن كثيرة إلا أنه من الواضح أن مدينة القاهرة هي النموذج المطروح فيما يسميه الكاتب «شخصية الإضاءة المصرية» وهو مصطلح ليس دقيقا، حيث أن الأمكنة متعددة في مصر وغيرها بين الصحراء والبحر والواحة وغيرها وبالتالي فإن الاستنتاجات رغم أنها مفيدة إلا أنها قلقة فمن الصعب القبول بفكرة الصفات الثابتة لشخصية الإضاءة المصرية والمتمثلة في: أولا شدة الإضاءة العالية لعدم وجود سحب ، وثانيا: الإضاءة المباشرة على الأسطح والأجسام أي وجود ظلال حادة وتباين شديد، وثالثا: ثبات نسبي لدرجة حرارة اللون، ورابعا: النسبة العالية للتباين.

ومن ضمن ما تعالجه فصول الكتاب أيضا وفي تداخل مع ما سبق طرحه التقسيمات الخاصة بأنواع الإضاءة، وهي الإضاءة المركزة المنتشرة والإضاءة المنعكسة وبالاضافة إلى مجموعة من القواعد الأساسية الخاصة بالإضاءة المستمدة من ضوء النهار.

الفصل الثاني من الباب الأول خصصه الكاتب لدراسة عناصر لغة الضوء التي يتم استخدامها من قبل مدير التصوير لرسم التأشيرات الضوئية والتي يعبر بها عن الموضوع وهذه العناصر هي: أولا الضوء الرئيسي وكذلك الضوء المساعد والثاني يقصد به الضوء الذي يملأ الظلال أو يخفف من حدتها الناتجة بفعل النظام الكلي للإضاءة والذي تعتمد عليه كل المؤثرات الضوئية، ويعطي الشكل العام للشكل الضوئي في الصورة.

ثاني العناصر هو زوايا سقوط الضوء ودوائرها وهي تشمل الضوء الأمامي والضوء الجانبي والضوء الخلفي والضوء المنخفض ، ثم الجانبي الخلفي والأمامي الجانبي.

ومن العناصر المهمة إدراك نسبة تباين الإضاءة وهو موضوع علمي وتقني ينعكس على الجانب الانفعالي والدرامي للفيلم، وله علاقة مباشرة بدرجات النصوع وكذلك ما يعرف بالتعريف الضوئي وحساسية الفيلم وفتحة العدسة ويتم استخدام أجهزة خاصة للضوء الساقط والضوء المنعكس وغير ذلك من أجهزة القياس.

ومن ضمن فقرات الفصل الثاني موضوع خاص بدراسة الشكل الفني للصورة من خلال التركيز على طبقة الإضاءة وعلاقتها بعنصر اللون وكذلك الأسلوب والشكل.

كما أن الكاتب يفرد صفحات لدراسة العلاقات بين الأسود والابيض وكذلك المرشحات الضوئية والتأثير النفسي للون والموضوع الأخير يقود نحو ذكر ما يعرف باللون البارد واللون الساخن، وأيضا اللون المرح واللون الحزين.

وفي هذا الصدد يقدم الكاتب جدولا يبين فيه العلاقة النفسية باللون وانعكاسها على الانسان بشكل عام.

من أهم فقرات الكتاب الطرح الذي يسميه الكاتب «التوافق الجمالي للون» حيث يعد التشكيل اللوني هو أحد الاهداف الفنية التي يسعى إليها مدير التصوير باعتبار اللون عنصرا يضاف إلى عناصره في التعبير ولذلك وجب عليه أن يعمل على توزيع الألوان في الكادر وفقا للأساليب الفنية والعلمية.. ولتوضيح ذلك يطرح الكاتب النظرتين الخاصتين بالدائرة اللونية أولا ثم الخاصة بألوان تحليل الضوء، وأساس كل ذلك أن انسجام الألوان بالتوافق والتباين يعتمد على عاملين، وهما أصل اللون ثم درجة التشبع كما أن هناك تعريفات أساسية لابد من ذكرها وهي خاصة بالألوان المكملة والألوان المترابطة ولا يتحقق التشكيل الجمالي إلا بأسلوبين هما أولا: أسلوب تباين الألوان وكذلك أسلوب توافق الألوان، وكل ذلك يؤدي إلى استنتاج مؤداه أن التوافق اللوني يحدث نتيجة لاتحاد أي لون مع الآخر مجاور له ويماثله في الصفات الطبيعية وبنفس الدرجة، وعلى ذلك يمكن القول بأن كل لونين من الألوان المتجاورة يوجد بينهما توافق وانسجام.

في الباب الثاني والذي يسميه الكاتب الرسم بالضوء تأتي مجموعة من الموضوعات تشمل البناء الضوئي للفيلم والتأثيرات الضوئية بأنواعها المختلفة مثل التأثير الضوئي الواقعي والتأثير الضوئي التعبيري

إن أهم ما يميز أسلوب الرسم بالضوء هو طريقة اختيار اتجاه الضوء بالنسبة للكاميرا والذي تتمدد على أساسه زاوية سقوط الضوء على الموضوع ومن المعروف أنه كلما زاد ميل زاوية سقوط الشعاع الضوئي ازدادت المساحات السوداء، فتتجه الإضاءة إلى أن تكون خطوطا بيضاء تحدد الأجسام وكلما قل ميل زاوية السقوط ازدادت المساحات المضاءة وأصبحت الإضاءة في المواجهة تماما.

وفي موضوع لاحق يعتمد على التجربة الخاصة، يشير المؤلف إلى الكيفية التي يتعامل فيها مدير التصوير مع السيناريو أولا والكيفية التي يتخيل بها المشاهد الرئيسية وتشمل نقاط البداية المهمة ومشاهد العقدة والأزمات والذروة، وكذلك تفصيلات لما يمكن أن يفعله أي مدير تصوير حيال السيناريو المكتوب اعتمادا على الأسلوب الطبيعي وهو العرض أو اعتمادا على أسلوب الايحاء.

وفي هذا المجال، فإن التجربة التي يسوقها المؤلف ذات طابع عملي محايد ولم تظهر التجربة الفردية الشخصية ويمكننا أن نقارن بين ما كتبه مدير التصوير ماهر راضي وما كتبه في السابق مدير التصوير سعيد شيمي الذي ساق تجربته من خلال العمل التطبيقي بالدرجة الأولى، وربما احتاج الدكتور ماهر راضي إلى نقل مثل هذه التجربة في كتب لاحقة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق