منصة الصباح
الشاعر الليبي أحمد الفاخري يتحدث في ندوة ثقافية عن العلاقة بين العراق وليبيا
الشاعر أحمد الفاخري في جلسة "العراق وليبيا.. جسور من التراث والتاريخ" ببغداد

جسور لا تهدمها الجغرافيا..”أحمد الفاخري” يستعيدُ ذاكرة العراق وليبيا بالشعر والتراث

الصباح /خاص

من الذاكرة تبدأ الحكاية

لم تكن المسافة بين العراق وليبيا حاضرة في جلسة «العراق وليبيا.. جسور من التراث والتاريخ» إلا بوصفها مسافة جغرافية؛ إذ استعاد الشاعر الليبي “أحمد علي الفاخري”، خلال الجلسة الحوارية السابعة والثمانين التي أقامها «رواق الثقافة والفن» بالتعاون مع «المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة»، مساحات مشتركة من التاريخ والتراث والذاكرة الإنسانية بين البلدين..

وأقيمت الجلسة مساء يوم الإثنين “7 سبتمبر 2026″، في قاعة “المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة”، برعاية الدكتور “عبد الأمير كاظم زاهد”، وبالتعاون مع «رواق الثقافة والفن» الذي يرعاه الأستاذ “حامد لفته الرماحي «أبو حسام»، وأدار الجلسة الفنان التشكيلي “سعد الجد”..

ليبيا كما عرفها العراقيون

حملت الجلسة بعدًا خاصًا لدى عدد من الحاضرين العراقيين الذين عاشوا تجربة التدريس والعمل في ليبيا خلال تسعينيات القرن الماضي، وحملوا معهم ذكريات عن المكان وأهله وحياتهم اليومية، لتعود تلك الذكريات إلى الواجهة خلال لقاء “الفاخري”..

وتحدث الشاعر عن نشأته ونسبه “الإدريسي”، وعن ليبيا ومدنها وبعض عاداتها وتقاليدها، كما توقف عند الشعر والأدب الليبي، مستعرضًا أسماء وتجارب من المشهد الثقافي الليبي وعطاء شعرائه وأدبائه..

ما وراء التشابهات الجاهزة

وضعت الجلسة العراق وليبيا في مساحة حوار تتجاوز المقارنات التقليدية، بحثًا عن الروابط التي صنعتها التجربة الإنسانية والثقافية، وعن تلك التفاصيل التي بقيت حاضرة رغم تغير الأزمنة والظروف.

وعن الذي اكتشفه بين البلدين، بعيدًا عن التشابهات الجاهزة، يقول “الفاخري”:

«ما اكتشفته أن بين العراق وليبيا صلة أعمق من التشابهات العامة؛ هناك امتداد عربي يجمع البلدين، وذاكرة اجتماعية تمتد عبر السنوات، منذ عمل كثير من العراقيين في ليبيا وكانوا أساتذتنا في جميع المراحل الدراسية.

كما أن كثيرا من التجارب الشعرية القديمة والمعاصرة المشهود لها هي عراقية وبغدادية، منذ المتنبي وأبي تمام، مرورا بنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وإلى الجواهري.

هذا التماس الإنساني والثقافي والمعرفي هو الجسر الحي الذي يربطنا بالعراق.»..

الشعر يستعيدُ ما طمسته الجغرافيا

لم يتوقف الحوار عند التاريخ والتراث، بل انتقل إلى قدرة الشعر على استعادة الصلات الإنسانية التي قد تطمسها التحولات السياسية وتباعد بينها الجغرافيا؛ فالشاعر، بحسب “الفاخري”، يمتلك قدرة خاصة على التنقيب في التفاصيل التي لا تحفظها الروايات الرسمية..

ويجيب “الفاخري” عن دور الشعر في هذه المساحة:

«نعم، لطالما كان الشعر رسالة إنسانية تحمل المشاعر والتفاصيل والصور وحتى الأخبار، يمكن للشعر أن يستعيد ما باعدت بينه الجغرافيا وطمسته السياسة، لأنه يحفظ التفاصيل الإنسانية التي لا تحتفظ بها السرديات الرسمية.

ودور الشاعر هنا أن ينقّب في الذاكرة، ويعيد وصل التجارب المتباعدة بلغة تجعل الآخر قريبًا ومألوفًا.»..

الحضور يفتحون دفاتر الذاكرة

أغنت مداخلات الحضور مسار الجلسة، ولا سيما شهادات وذكريات من عاشوا في ليبيا خلال سنوات التدريس والعمل، لتتحول الأمسية من حديث عن بلدين إلى استعادة حية لتجارب بشرية جمعت العراقيين والليبيين في فضاء واحد..

وهكذا بدا الحوار أقرب إلى استعادة ذاكرة مشتركة، تتجاور فيها المدن والأسماء والقصائد والحكايات، وتتحول التجربة الشخصية إلى جزء من تاريخ العلاقات الثقافية والإنسانية بين الشعبين..

ثلاثة تكريمات في ختام الجلسة

اختُتمت الأمسية بتكريم الشاعر “أحمد الفاخري”، حيث قدم له الدكتور “عبد الأمير زاهد” شهادة تقدير، كما قدم الأستاذ “حامد لفته الرماحي” شهادة تقدير أخرى، فيما أهداه الفنان التشكيلي “سعد الجد” لوحة فنية..

وجاء التكريم تقديرًا لمشاركة “الفاخري” وإسهامه في إثراء الحوار الثقافي الذي جمع العراق وليبيا تحت مظلة التراث والتاريخ والذاكرة..

حين تصبح الذاكرة جسرًا

غادرت الجلسة عنوانها الأول لتكشف عن معنى أوسع للجسر الذي يمكن أن يصنعه الشعر والثقافة؛ جسر لا تقوم دعاماته على الجغرافيا وحدها، وإنما على البشر الذين عبروا بين الأمكنة، وعلى الذكريات التي بقيت، وعلى الأدب الذي يستطيع أن يعيد للآخر صورته القريبة، مهما ابتعدت المسافات..

وقدَّمت الجلسة نموذجًا لحوار ثقافي لا يكتفي باستحضار الماضي، بل يحاول قراءة ما بقي منه في الذاكرة الإنسانية، وما يمكن للثقافة والشعر أن يستعيداه من صلات بين بلدين عربيين جمعتهما تجارب لم تستطع المسافات أن تلغيها..

شاهد أيضاً

الصيد الجائر وارتفاع حرارة المتوسط يُهددان الثروة السمكية

حذَّرت “الجمعية الليبية لحماية الحياة البحرية” من تراجع التنوع البيولوجي البحري، واختفاء بعض الأنواع على …