تقرير – منصة الصباح
تحت ظلال أشجار الشيا المرتفعة في شمال بنين، تعمل آلاف النساء يوميًا على تحويل ثمار هذه الشجرة إلى مصدر دخل واستقرار اجتماعي، في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف الأمنية نتيجة تمدّد الجماعات المسلحة القادمة من منطقة الساحل الإفريقي.
وتُعرف شجرة الشيا محليًا باسم “شجرة الشفاء”، لما لها من استخدامات متعددة في الغذاء والطب التقليدي والعناية بالبشرة.
ومن نوى ثمارها تنتج النساء زبدة الشيا التي أصبحت موردًا اقتصاديًا أساسيًا لآلاف الأسر، خصوصًا في المناطق الريفية الفقيرة شمال البلاد.
3600 امرأة يصنعن نموذجًا اقتصاديًا محليًا
في محيط مدينة بانكوارا شمال البلاد، تشارك نحو 3600 امرأة في مبادرة تنموية تقودها جمعية النساء الشجاعات والناشطات، التي تعمل منذ عام 2007 على دعم النساء اقتصاديًا وتعزيز استقلاليتهن.
ومنذ عام 2021 دخلت الجمعية في شراكة مع منظمة “الجسر ” التنموية السويسرية ة لتنفيذ مشروع يهدف إلى تطوير إنتاج زبدة الشيا وتحسين جودتها، عبر تدريب النساء على مهارات الإدارة والتسويق ومعايير الإنتاج الحديثة.
وتوزعت المشاركات ضمن 120 تعاونية نسائية صغيرة، ما أتاح لهنّ شراء معدات إنتاج أفضل والحصول على قروض صغيرة، إضافة إلى رفع جودة المنتج وزيادة الطلب عليه في الأسواق المحلية.
وتقول رئيسة الجمعية ماماتو ياكوبو إن هذه المبادرة “منحت النساء قدرة أكبر على الاستقلال الاقتصادي، وساعدتهن على إرسال أطفالهن إلى المدارس وتحسين ظروف أسرهن”.
مبادرة اقتصادية في مواجهة الخوف
رغم هذا التقدم، تعيش القرى الشمالية في بنين حالة قلق متزايدة بسبب تحركات الجماعات المتطرفة قرب الحدود مع
بوركينا فاسو والنيجر.
وتشير تقارير أمنية إلى أن العام الماضي كان من أكثر الأعوام دموية في تاريخ البلاد الحديث، بعد سلسلة هجمات استهدفت مواقع عسكرية وأسفرت في أحدها عن سقوط عشرات الضحايا خلال يوم واحد.
وأدى هذا الوضع إلى تغيّر تفاصيل الحياة اليومية للسكان، إذ أصبحت النساء يتجنبن التوجه إلى الحقول في ساعات الفجر المبكرة كما اعتدن سابقًا، خوفًا من المخاطر الأمنية.
التنمية المحلية كخط دفاع اجتماعي
في منطقة تعاني من الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب، تسهم المبادرات النسائية في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز التماسك الاجتماعي، وهو ما يراه السكان عاملًا مهمًا في مواجهة مخاطر التطرف.
كما حظيت المبادرة بدعم مجتمعي واسع، إذ تبرع أحد كبار السن في إحدى القرى بشجرة كبيرة لتكون مقرًا لاجتماعات النساء، مؤكدًا أن “تماسك المجتمع أهم من المال”.
الساحل الإفريقي… ساحة صراع متحركة نحو الجنوب
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تصاعدًا في أنشطة الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المتحالفة مع تنظيم تنظيم القاعدة، التي تسعى إلى توسيع نفوذها باتجاه الجنوب للوصول إلى طرق التجارة والموانئ.
وقد ساهمت الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إضافة إلى انسحاب القوات الفرنسية، في إضعاف قدرات الدولة على مواجهة هذا التمدد.
ويحذر مسؤولون في منظمة كاريتاس من أن السيطرة على طرق التجارة تمثل هدفًا استراتيجيًا لهذه الجماعات، خاصة باتجاه الممرات المؤدية إلى السواحل، ما يجعل دولًا مثل بنين في موقع المواجهة المباشرة.
النساء… خط الدفاع الأول للاستقرار المجتمعي
وسط هذه التحديات، تبدو مبادرات إنتاج زبدة الشيا أكثر من مجرد نشاط اقتصادي؛ فهي تمثل نموذجًا للتنمية المحلية القائمة على تمكين النساء وتعزيز دورهن في حماية مجتمعاتهن من آثار الفقر وعدم الاستقرار.
وتؤكد تجربة شمال بنين أن الاستثمار في الاقتصاد النسائي المحلي يمكن أن يتحول إلى أداة فعالة لدعم الاستقرار في مناطق الهشاشة الأمنية، خصوصًا في دول تقع على تخوم منطقة الساحل المضطربة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية