منصة الصباح
من أعماق الرمال إلى صفحات التاريخ.. مقبرة رومانية في "بن جواد"

من أعماق الرمال إلى صفحات التاريخ.. مقبرة رومانية في “بن جواد”

تقرير / مني عريبي

في مشهد بدا وكأنه فصل جديد يُضاف إلى سجل التاريخ الليبي العريق، توقفت جرافات مشروع الطريق المزدوج الرابط بين بن جواد وسرت أمام اكتشاف لم يكن في الحسبان. فبينما كانت أعمال الحفر تمضي في مسارها المعتاد، بدأت ملامح موقع أثري بالظهور من باطن الأرض، لتكشف الأيام التالية عن مقبرة تاريخية يُرجح أنها تعود إلى العصر الروماني، حاملة معها شواهد صامتة على حياة أناس عاشوا في هذه المنطقة قبل ما يقارب ألفي عام..

بمجرد الإبلاغ عن الاكتشاف، انتقلت فرق مختصة من مصلحة الآثار وهيئة الآثار إلى الموقع لإجراء معاينة أولية، أظهرت وجود هياكل عظمية وأوانٍ فخارية وعدد من العناصر الجنائزية التي تعكس طقوس الدفن السائدة خلال الحقبة الرومانية. كما كشفت المعاينات عن نقوش باللغة الإغريقية، وهو ما منح الموقع بعدًا حضاريًا إضافيًا يعكس التداخل الثقافي الذي شهدته منطقة شمال أفريقيا خلال تلك الفترة..

وفي تصريخ خاص لمنصة “الصباح”، يرى الباحث الأثري الاستاذ “مختار الخترشي”، أن وجود النقوش الإغريقية داخل المقبرة يمثل مؤشرًا مهمًا على استمرار التأثير الثقافي الإغريقي في المجتمعات الخاضعة للنفوذ الروماني، مؤكدًا أن هذه الظاهرة كانت شائعة في عدد من مدن الساحل الليبي التي شكلت حلقة وصل بين حضارات البحر المتوسط..

ويضيف أن الأواني الفخارية المكتشفة لم تكن مجرد أدوات منزلية، بل ارتبطت في الغالب بطقوس جنائزية ومعتقدات دينية كانت سائدة آنذاك، حيث استُخدمت لحفظ الزيوت والعطور والقرابين التي كانت توضع إلى جانب الموتى اعتقادًا بدورها في الرحلة إلى العالم الآخر..

وفي تصريح أخر لمنصة “الصباح” للاستاذ “ماهر الجزيري” باحث في علم الاثار ، فيشير إلى أن القيمة العلمية للموقع تتجاوز حدود المقبرة نفسها، إذ يمكن للمكتشفات أن تقدم صورة متكاملة عن المجتمع الذي عاش في المنطقة خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين.. فالهياكل العظمية قد تكشف من خلال الدراسات الأنثروبولوجية عن أعمار المدفونين وأوضاعهم الصحية ومستوياتهم المعيشية، بينما تساعد التحاليل المخبرية للأواني واللقى المكتشفة في فهم الأنشطة الاقتصادية والعادات الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك الزمن..

ويطرح “الجزيري” تساؤلًا علميًا مهمًا حول ما إذا كانت المقبرة موقعًا منفردًا أم جزءًا من مجمع أثري أكبر ما يزال مدفونًا تحت الرمال. فتنوع المكتشفات وتنظيم المدافن ووجود النقوش يوحي بإمكانية ارتباط الموقع بمستوطنة رومانية أو مركز سكاني كان نشطًا على طرق التجارة القديمة الممتدة على الساحل الليبي..

وفي تصريح خاص لمنصة “الصباح”، قدّم الباحث في التاريخ والآثار الأستاذ “وائل فطيس” قراءة أولية للمكتشف الأثري، موضحًا أن المعطيات الظاهرة من الصور والمشاهدات الأولية تشير إلى أن الموقع عبارة عن مدفن عائلي من طراز “البدروموس” تحت الأرضي، وهو نمط معماري جنائزي عُرف في عدد من المناطق الليبية القديمة..

وأوضح “فطيس” أن المدفن يبدو منحوتًا داخل كتلة طبيعية من الحجر الجيري، ويضم أكثر من أسلوب للدفن، إذ تظهر هياكل عظمية موضوعة داخل حجرة الدفن باتجاه عام نحو الغرب، وهو اتجاه ارتبط في كثير من المدافن الليبية القديمة بالتقاليد الجنائزية السائدة آنذاك. وتحيط بهذه الهياكل مجموعة من اللقى الجنائزية المحلية، من بينها أوانٍ صنعت –على ما يبدو– من طين أصفر خشن ذي حواف غير منتظمة، إلى جانب فخار أحمر مصقول يتميز بجودة صناعته وزخرفته..

وأشار إلى أن هذه الأواني لم تكن مجرد أدوات للاستخدام اليومي، بل حملت دلالات عقائدية مرتبطة بإيمان الليبيين القدماء بالحياة الأخرى، حيث كانت توضع إلى جانب الموتى كجزء من الطقوس الجنائزية المتبعة..

وأضاف أن من أبرز ما لفت الانتباه داخل المدفن وجود بقايا جثمان محروق داخل جرة جنائزية، في إشارة إلى ممارسة حرق الموتى التي عُرفت في بعض مناطق شمال أفريقيا خلال فترات تاريخية معينة، متأثرة بعادات ثقافية قادمة من جزر البحر المتوسط. كما تظهر داخل القبو جرة جنائزية من نوع “الأورن” المخصصة لحفظ رماد الموتى بعد الحرق، وتحمل نقشًا بالحروف الإغريقية يبدأ بعبارة “لوي”، وهي من المصطلحات الجنائزية الليبية القديمة المرتبطة بالمدافن..

وبيّن “فطيس” أن الاسم الوارد في النقش يُقرأ على الأرجح “بيغروس”، ما قد يعكس اختلافًا ثقافيًا أو دينيًا بين صاحب الجرة والأشخاص المدفونين إلى جواره، رغم احتمال انتمائهم إلى الأسرة نفسها، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات علمية مهمة حول التنوع الثقافي والاجتماعي الذي شهدته المنطقة خلال تلك الحقبة..

وأكد أن هذا النوع من المدافن يتميز عادة بوجود صخرة ضخمة تُستخدم لإغلاق المدخل وحماية محتوياته، ولا تُفتح إلا عند إضافة دفنات جديدة، وهي سمة معمارية معروفة في عدد من المدافن الليبية القديمة..

ويرى “فطيس” أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على المدفن ذاته، بل تمتد إلى ما قد يكشفه عن البيئة العمرانية المحيطة به، موضحًا أن وجود المقبرة يرجح وجود منطقة استقرار أو تجمع سكاني قديم إلى الشرق منها، استنادًا إلى النمط المعروف في ليبيا القديمة الذي كانت تُقام فيه المدافن غالبًا إلى الغرب من المناطق السكنية..

وأشار إلى أن المدفن المكتشف يشبه في خصائصه عددًا من المدافن المعروفة في مواقع أثرية ليبية بارزة، من بينها مدافن مليتة والحرشة ولبدة ومراتة، ما يمنحه قيمة علمية إضافية ضمن سياق دراسة العمارة الجنائزية في ليبيا القديمة..

وفي قراءته للخلفية التاريخية للمنطقة، أوضح فطيس أن سكان منطقة بن جواد وخليج سرت ارتبطوا تاريخيًا بقبيلة الناسمون الليبية الشهيرة، التي ذكرتها المصادر الكلاسيكية القديمة، ومنها كتابات هيرودوت وسترابون وبطليموس، باعتبارها من أبرز القبائل التي استوطنت هذه الجهات منذ أقدم العصور..

وأضاف أن منطقة بن جواد عُرفت في المصادر القديمة باسم “زاكساما براسيديوم”، أي “مركز حراسة زاكساما”، وفق ما ورد في خريطة بيوتنجر الرومانية، مرجحًا أن تكون تسمية “زاكساما” مرتبطة بإحدى المجموعات المحلية التابعة لقبائل الناسمون، التي سجلت المصادر التاريخية مشاركتها في تمرد ضد الإمبراطور الروماني دوميتيان خلال القرن الأول الميلادي..

وختم “فطيس” تصريحه بالتأكيد على أن المنطقة المحيطة ببن جواد تزخر بمواقع أثرية عديدة، من بينها القلعة الأثرية القائمة على المرتفع المطل على المدينة، وآثار الحريقة التي يُعتقد أنها تعود إلى قرية دڨديڨا القديمة، إلى جانب مواقع تاريخية أخرى مثل توغولوس وقصر الحدادية وموقع “آرا فيلارينوروم” الشهير المعروف بمذبح الأخوين فيلاني، ما يعزز من أهمية الاكتشاف الجديد بوصفه جزءًا من مشهد أثري واسع ما تزال كثير من تفاصيله تنتظر الكشف والدراسة..

ومع تزايد المؤشرات العلمية، سارعت مصلحة الآثار إلى تشكيل فريق متخصص للشروع في عمليات التوثيق والدراسة وفق المعايير العلمية المعتمدة. وتشمل هذه الأعمال رسم الخرائط الأثرية للموقع، وتوثيق أماكن المكتشفات، وإجراء الدراسات الأولية التي ستحدد طبيعة الموقع وأهميته التاريخية قبل نقل القطع إلى المخازن المخصصة لحفظها وصيانتها..

وفي موازاة الجهود العلمية، تولت الشرطة السياحية وحماية الآثار، بالتعاون مع الحرس البلدي والنيابة العامة، تأمين الموقع ومنع أي محاولات للعبث بالمكتشفات أو الإضرار بها، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على سلامة الأدلة الأثرية التي قد تحمل إجابات عن أسئلة تاريخية ما تزال مفتوحة..

ويمثل هذا الاكتشاف إضافة مهمة إلى خارطة المواقع الأثرية الليبية، خاصة في منطقة بن جواد التي تقع ضمن نطاق جغرافي غني بالشواهد التاريخية المرتبطة بحضارات البحر المتوسط. كما يعزز أهمية المنطقة في الدراسات المتعلقة بالاستيطان الروماني وشبكات التجارة القديمة والعلاقات الثقافية التي ربطت شمال أفريقيا بالعالم الإغريقي والروماني..

ورغم أن نتائج الدراسات النهائية ما تزال قيد الانتظار، فإن المقبرة المكتشفة فتحت نافذة جديدة على ماضٍ بعيد ظل مطمورًا تحت الرمال لقرون طويلة. وبين الهياكل العظمية والأواني الفخارية والنقوش المنقوشة على الحجر، تتجدد قصة ليبيا بوصفها أرضًا احتضنت حضارات متعددة، وما تزال تخفي في أعماقها الكثير من الأسرار التي تنتظر من يكشف عنها..

شاهد أيضاً

محطة توليد كهرباء غرب طرابلس تضم وحدات توليد تعمل بالغاز الطبيعي، وتعد من المحطات الرئيسية التي تدعم الشبكة الكهربائية في ليبيا.

شبح انقطاع الكهرباء يؤرق الليبيين مع دخول الصيف

تقرير: مهند أحميدة بدأت انقطاعات التيار الكهربائي تلوح في أفق عديد المناطق الليبية مع دخول …